منية كواش، صحفية مستقلة
تحتلّ المصادر الرسمية موقعًا مركزيًا في العمل الصحفي، ليس لأنها تمثل مصدرًا من مصادر الأخبار فحسب، بل لأنها الجهة التي تمتلك قدرًا واسعًا من المعلومات المتعلقة بإدارة الشأن العام. فالوزارة والمؤسسة العمومية والهيئة الرسمية ليست مطالبة فقط بإصدار القرارات وتنفيذ السياسات، وإنما هي مطالبة أيضًا بإعلام المواطن بما تفعل، وبأن تفسر له اختياراتها، وتوضح له نتائج أعمالها.
وتفترض هذه الوظيفة وجود علاقة متوازنة ومتواصلة بين الدولة والإعلام إذ تحتاج السلطة إلى الصحافة لإبلاغ الجمهور، ويحتاج الصحفي إلى المصادر الرسمية للحصول على المعلومة الدقيقة، وفهم خلفياتها، ومساءلة أصحاب القرار بشأنها، غير أن هذه العلاقة تبدو في تونس مضطربة وفق ما يتواتر من ملاحظات وشكاوى مهنية ، بسبب صعوبة التواصل مع المسؤولين، ومحدودية المعلومات المنشورة، وتأخر الردود، والاقتصار المتكرر على البلاغات أو المنشورات والتدوينات في شبكات التواصل الاجتماعي.
وتبرز الإشكالية بصفة جليّة في شحّ المعلومة الرسمية، من حيث كمّية المعلومات ودقتها وصدور التصريحات في شأنها وعرض تفاصيلها في الإبّان وقبل فوات الأوان، ولا يتمّ ذلك إلّا بتمكين الصحفي من الوصول إلى مصدرها المباشر. كما تتعقّد هذه الإشكالية أكثر عند الأزمات وفي القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن، فيصبح الاتصال الرسمي المنتظم ضروريا، وبنسق سريع ومتواتر، دون إنقطاع ليفسّر الأزمة وأسبابها وكيف يمكن محاصرتها عن طريق الصحفي الوسيط وهمزة الوصل بين المصادر والمواطن ، بمدّه بالمعلومة والتصريحات المباشرة والدقيقة حتى يتمكن من السبق ويمدّ المواطن بالخبر اليقين ليقطع الطريق على الإشاعة ويحميه منها.
من هنا يطرح هذا المقال ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف تتجلى أزمة العلاقة بين الصحفي والمصدر الرسمي؟ وما هي أسباب شحّ المعلومة وما هي السبل الممكنة لبناء علاقة ثقة وتعاون بين المؤسسات العمومية ووسائل الإعلام .
وفرة وسائط الاتصال مقابل ندرة المعلومة
يعبّر الوضع الراهن عن مفارقات عديدة أولها أنّ الدولة التونسية لم تعد تفتقر إلى وسائل الاتصال. فلكل وزارة تقريبًا موقع إلكتروني وصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، كما توجد مصالح للاتصال والعلاقات العامة، دون أن ننسى دور وكالة تونس إفريقيا للأنباء ووسائل الإعلام العمومية. ومع ذلك، فهذا التعدد في قنوات الاتصال لم ينتج عنه وفرة المادة الإعلامية. وظل المحتوى الرسمي محدودًا، مقتصرا على أخبار مقتضبة عن نشاط أو اجتماع أو زيارة، بينما غابت التفاصيل والمعطيات والتفسيرات التي يحتاج إليها الصحفي لإنتاج مادة إعلامية مقنعة وموضوعية ومستقلة.
يبدأ الصحفي رحلته مع البحث عن المعلومة فلا يجد في أغلب الحالات الّا تدوينة أو بلاغا في الصفحة الرسمية للمؤسسة، تكون قد نشرت للمواطن بجميع شرائحه وفي صياغة مقتضبة وموجزة في حين يحتاج الصحفي إلى معلومات ضافية ودقيقة، يستقيها ويستخلصها بنفسه ومن خلال تواصله المباشر مع المسؤول بمحاورته وطرحه للأسئلة. للإحاطة بالخبر إحاطة كاملة وليتحصل على معلومات وافرة وحقيقية ،يقوم بتحليلها والتدقيق فيها وتطويرها ليرسلها واضحة للمواطن.
لذلك فإنّ البلاغ الرسمي لا يفي بحاجة الصحفي إذ يكتفي بما يريد المصدر أن يبلّغه ويرسله للمواطن، في حين يسمح الاتصال المباشر للصحفي بطرح ما يريد المواطن معرفته: من أسباب و خلفيات، وكلفة، ونتائج وآجال، واستعدادات وتحمّل مسؤولية. فالبلاغ الرسمي يعلن عن الخبر دون بلورته فيظلّ منقوصا، يشوبه الغموض فيأتي دور الصحفي بحصوله على السبق وعلى على التصريحات المباشرة ، وبعد التدقيق فيمدّ الرأي العام بالمعلومة الصحيحة والواضحة ما يحيلنا إلى القول بأن شح المصادر لا يعني بالضرورة غياب الخبر ، وإنما يعني غياب المادة القابلة للتحليل وللتطوير الصحفي.
أمام هذا التمشي وغياب المادة الإعلامية المفسرة للخبر يجد الصحفي نفسه مضطرا لمتابعة صفحات المؤسسات العمومية على شبكات التواصل الاجتماعي، ليستقي منها المعلومات مثله مثل المواطن وقد تكون هذه الصفحات مفيدة وسريعة، لكنها لا تلبي وحدها حاجات العمل الصحفي. فالمنشور القصير لا يتيح بالضرورة وثيقة أصلية، ولا يقدم خلفية، ولا يجيب عن الأسئلة التي قد تثيرها المعلومة.
وتظهر محدودية الاتصال الرسمي بصورة أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بأحداث تستوجب جهدًا إعلاميًا مكثفًا، ومن الأمثلة التي تبرز في هذا السياق ما أفرزه قانون الشيكات الجديد من غموض ومخاوف فقد فرض نمط معاملات مالية واقتصادية، جديدة لم يعهدها المواطن دون أن يرفقها بمادة تفسيرية وتحسيسية مما جعل المواطن ينفر من المعاملات المالية الجديدة ويرى أنها معقّدة فيفضل عليها المعاملات النقدية.
لذلك يحتاج مثل هذا القانون أن يرفق باتصال رسمي استباقي ومكثف، ليشرح ويبسّط ويقدم أمثلة عملية، ويجيب عن الأسئلة المتداولة، وذلك بالسماح للصحفي بأن يحاور المسؤولين ممن ساهموا في صياغة هذا القانون الجديد ليقوم هو بدوره وفي مرحلة ثانية بتفسيره للمواطن .
يمكن ملاحظة الإشكال ذاته في أزمات جدّت مؤخرا في تونس ومسّت الحياة اليومية بصورة مباشرة، ففي ظل ازمة الماء والكهرباء والندرة المتزايدة للمياه المعدنية، التي شهدتها تونس هذه الصائفة، وجد الصحفي نفسه عاجزاعن الوصول الى المصدر الرسمي، متوجها من مسؤول إلى آخر دون جدوى غير قادر على الوصول إلى المعلومة الشافية ليقدّمها للمواطن مما خلق فراغا، جعل الطريق معبّدا أمام إنتشار الإشاعة والأخبارالزائفة.
فدور الصحفي أن يتجنّد لمتابعة هذه الأزمة ويتواصل ويتحاور مع المسؤولين لمعرفة الأسباب والنتائج والجهات المسؤولة والحلول المقترحة للخروج منها بأقل الأضرار، ليعرض على المواطن وبنسق منتظم ومتواصل ما تحصّل عليه من معلومات بعد أن قام بتحليلها والتدقيق فيها فيخفّف بذلك من درجة خوفه وقلقه.
كما يجد الصحفي نفسه مجبرا عندما لا يجد ا ردّا على اتصالاته من المصادر الرسمية على التوجه الى مصادر غير مباشرة، مثل المواقع الإلكترونية للوزارات والمؤسسات العمومية ، لكنه لا يجد أيضا في هذه المواقع ضالّته فهي لا تحتوي على تصريحات وعلى قرارات حديثة و قواعد بيانات حقيقية، واحصائيات، وميزانيات، إذ تكتفي أغلب المواقع بإعادة نشر الأخبار الرسمية و أخبار وكالة تونس إفريقيا للأنباء، بصفة مقتضبة وغير محيّنة فيستخلص الصحفي الذي يتوجه لهذه المواقع أنها لا تزيد عن واجهة إعلامية للمؤسسة وليست فضاء مفتوحًا للمعلومة العمومية.
المصادر الرسمية : الحد الادنى من الاتصال
ويمكن تفسير هذا الوضع الشائك بارتفاع درجة مركزية الاتصال داخل بعض المؤسسات إذ يسبق التصريح الإعلامي بمسار إداري طويل وتراخيص ومحاولات للإتصال بالمسؤول تلو الآخر وما يصدر عنهم من عدم ردّ ومن تجنّب للإجابة عن أسئلة الصحفي خوفًا أن تأخذ تصريحاتهم موقفًا رسميًا غير مأذون به، مما أدّى إلى تركيز المعلومة لدى عدد محدود من الأشخاص، وحدّ من المصادر.
فمن المفارقات أن تحتاج الدولة إلى خبراء وموظفين مختصين لتفسير سياساتها، لكنها في نفس الوقت تجعل الوصول إليهم صعبًا خوفا من تعدد التصريحات وتناقضها مما قلّص في عدد المصادر المتاحة وأدّى الى شحّ المعلومة.
ومن الأسباب المحتملة أيضًا لهذه المفارقة رغبة حرص المصادر الرسمية على التحكّم في الخبر وصياغته بما يرضيها ويخدم فكرتها فوجدت في البلاغ المكتوب مبتغاها فهو يسمح للمؤسسة بأن تتحكّم وتحدد المضمون الذي تريده وترغب في نشره بينما يفتح الحوار الصحفي المجال للأسئلة وولمتابعة وللأسئلة غير المتوقعة. وقد يكون هذا أحد أسباب تفضيل بعض المؤسسات للمنشورات الرسمية على المقابلات الصحفية المباشرة.
إختار المسؤولين والفاعلين السياسيين والإقتصاديين السياسيين سياسة الحد الأدنى من الإعلام والإكتفاء بنشر الضروري من المعلومات، وتجنب التوسّع في الخبر بالإمتناع عن المقابلات والحوارات والندوات الصحفية. وقرّروا ألّا يتحدثوا الا عندما يرغبون وبالقدر الذييحدّدونه ويختارونه ويرونه ضروريا ، فخلقوا علاقة أحادية الاتجاه وألغوا الحلقة التي تربطهم بالصحفي ورفضوا أن يتوجه لهم لمحاورتهم ومساءلتهم وأن يمدّوه بالمعلومة بصفة مباشرة.
تكشف الأزمات والتجارب أن الاتصال لا يكون ناجحا ومثمرا إلّا إذا كان مسترسلا ودائما ، فعندما تظهر أزمة في الكهرباء أو المياه أو الصحة أو النقل يحتاج المواطن أوّلا إلى أخبار دقيقة وصحيحة، تنقل له بصفة متسارعة ومتواصلة ، يمدّه بها الصحفي في الإبّان ليكون على بيّنة مما يقع ويطمئن قلبه. لذلك ليس من صالح المؤسسة و المسؤول أن يبخسا من دور الصحفي بل عليهما يسعيا لخلق علاقة ثابتة ودائمة مع الصحفي فيتواصلان معه تواصلا مباشرا في كل الأزمنة وكلّما دعت الحاجة إلى ذلك .إذ يحتاجان إليه دائما وخاصة زمن الأزمات فوجبه لصحفي يدعوه ليكون همزة الوصل والوسيط المهني بين المسؤول والمواطن ، ليمدّه بالخبر اليقين .
إن ظاهرة الصمت الرسمي أو سياسة توفير الحد الأدنى من الاتصال وإختيارها كوسيلة لحماية المؤسسة من الجدل ،أدّت إلى نتائج عكسية ، فغياب المصدر الرسمي للمعلومة لا يؤدي إلى اختفاء الخبر، بل يدفع الصحفي إلى البحث عن مصادر أخرى. وقد تصبح المعلومات المتداولة أقل دقة، وأكثر عرضة للإشاعة والتأويل، كما أن الصمت أو التجاهل يترك فراغا يسمح للاشاعة بأن تأخذ مكان المعلومة الصحيحة ويساعد على إنتشار التسريبات فتطغى المعلومات الزائفة وتفقد المؤسسة الرسمية فرصة تقديم روايتها وتصحيح المعطيات الخاطئة.
أصبح الصحفي يعيش رقابة ذاتية، نتجت عن خوف داخلي من عقوبة سجنية قد تطاله عند وقوعه في خطإ مهني بعد أن تم إحداث المرسوم عدد54 ونص فصله عدد24 على معاقبة سجنية لكل من يروّج وينشر الإشاعة أو يسيء للغير، مما خلق بيئة عمل متوترة داخل المؤسسات الإعلامية وأصبح الصحفي يتجنّب تناول الملفات الحساسة والعمل الميداني في حين يعدّ جوهر العمل الصحفي ، بسبب ما يعترضه من عراقيل ومخاطر وبيروقراطية وتدخّل في مادته الإعلامية.
لقد أثّر التمشّي الإتصالي الحالي للمسؤولين في عمل الصحفيين وضرب حق الصحفي في المراقبة والمساءلة ومسّ أيضا حق المواطن في المعلومة الحينية وأضعف منسوب الثقة في المؤسسة العمومية. بالرغم من وجود قانون أساسي عدد22 لسنة 2016 ينص على الحق في النفاذ الى المعلومة. ونجد في كل المواقع الإلكترونية الحكومية قسما لتنفيذ ما أتى به هذا القانون لكن عند تدقيق مضمون هذه الأقسام في جل المواقع الإخبارية الحكوميو نجد ندرة في الوثائق وتقادم في ما ينشر يكاد يحوّل هذا القانون إلى مجرّد إلتزام شكلي. ولنا مثال حي على معاناة الصحفي عند بحثه عن المعلومة الرسمية المتعلقة بأزمة قطع الكهرباء والماء وفقدان الماء المعلّب فقد وجد نفسه امام بلاغات رسمية أحادية، ولم يتمكن من الخوض في الأسباب الهيكلية الحقيقية لهذه الأزمة كما تعرّض بعض الصحفيين إلى تضييقات أثناء تغطيتهم والتقاطهم الى صور وفيديوهات توثق حشودا من المواطنين مجتمعين أمام المراكز التجارية الكبرى لشراء الماء. مما يعدّ تدخلا في المادة الإعلامية ومحاولة مقصودة للحيلولة دون توثيق الوقائع للرأي العام.
الانتقال من الاتصال المناسباتي إلى الاتصال الدائم
ولإصلاح العلاقة بين الصحفي والمسؤول لابدّ من بعض الحلول كالانتقال من منطق «الاتصال عند الضرورة» إلى منطق الاتصال الدائم. فالمؤسسة العمومية التي تحافظ على علاقة منتظمة مع الصحفيين تكون أقدر على التواصل معهم أثناء الأزمات، ومن الضروري أن يكون لكل وزارة ومؤسسة عمومية مسؤول اتصال واضح يعدّ همزة الوصل بين المؤسسة والمسؤول المختص والصحفي ويتكفل بآليات الردّ وآجاله. كما تحتاج الصحافة إلى أكثر من «ناطق رسمي» واحد. فالملفات المعقدة تتطلب الوصول إلى خبراء ومسؤولين كل في مجال اختصاصه: اقتصادي، قانوني، تقني، ثقافي، صحي أو اجتماعي.
كما يمكن أن نذكّر في هذا السياق بتجربة وزارة الشؤون الثقافية خلال 2025 كنموذجًا جديرًا بالدراسة ويمكن تعميمه لمؤسسات وهياكل حكومية أخرى، فقد نظمت الوزارة ثلاثة لقاءات إعلامية متخصصة مع مسؤولي الوزارة والمؤسسات التابعة لها، تناول الأول مجالات من النشاط الثقافي، والثاني قطاع التراث، والثالث المنصة الرقمية للتصرف في الدعم الثقافي وبيّنت الوزارة أن الهدف من هذه اللقاءات هو تعزيز التفاعل مع وسائل الإعلام العمومية والخاصة، وتقييم الفعاليات الثقافية وتكريس الشفافية في إدارة الشأن الثقافي. فكانت هذه التجربة دليلا على أن الاتصال المباشر والمنظم بين الصحفيين والمسؤولين ممكن عمليًا، وبرهنت هذه اللقاءات الدورية عن فائدتها ونجاعتها وأنه يمكن اعتمادها حتى لا تكون البلاغات الشكل الوحيد للاتصال الحكومي.
وعلى المؤسسات أن تعتمد أيضا السياسة الاستباقية فتنشر المعلومات قبل أن يطلبها الصحفي وبصفة مسبقة فتلتزم كل مؤسسة بنشر ميزانيتها، وبرامجها، وتقاريرها واحصائياتها، ونتائج أعمالها، وصفقاتها العمومية ، القانونية، والأسئلة التي تتلقاها حول خدماتها فتخفف بذلك من وتيرة الطلبات الفردية وتتحول المواقع الحكومية من واجهات إخبارية إلى منصات للمعلومة العمومية.
كما يجب على السلطة تسهيل وصول وسائل الاعلام الى البيانات الرسمية بسرعة لتجنب الشائعات والاخبار المضللة واحترام استقلالية الاعلام والإعتراف بحق الاعلام في الرقابة والنقد مع إلتزامه بأخلاقيات المهنة ولابد أيضا من إرساء حوار مسترسل وتنظيم مؤتمرات ومنصات تواصل بين المتحدثين الرسميين والمؤسسات الإعلامية لإزالة كل لبس.
كما تحتاج الدولة إلى بروتوكول خاص بالاتصال أثناء الأزمات. ويفترض هذا البروتوكول تحديد المسؤول عن الاتصال، ومواعيد الإحاطة الإعلامية، ومصادر البيانات، وطريقة تحديث المعلومات، وآلية تصحيح الأخبار الخاطئة لتشخيص الأزمة وشرح الأسباب وطرق المعالجة و فالأزمة التي لا تجد فيها الصحافة مصدرًا رسميًا منتظمًا تتحول سريعًا إلى أزمة معلومات أيضًا.ففي غياب المعلومة الرسمية تملأ الشائعات والتأويلات الفراغ مباشرة ويقع تزييف الحقائق وتنتشر المعلومة الخاطئة كانتشار النار في الهشيم وتتضارب الروايات وتتراجع الثقة ويتزايد القلق والمخاوف.
لذلك يجب إعادة تشكيل العلاقة بين المسؤول والصحفي فالصحفي ليس خصما للمؤسسة، وإنما وسيطًا مهنيًا بينها وبين الجمهور، فعليها أن تمدّه بالحقيقة ليرسلها هو بدوره للرأي العام بعد معلجة مبتكرة تضاعف حظوظ الوصول إلى شرائح متعددة وعريضة. فالصحفي الذي يسأل عن أسباب قرار أو تفاصيل برنامج لا يؤدي وظيفة عدائية ، بل يقوم بوظيفة أساسية في المجتمع الديمقراطي. ومن مصلحة الدولة أن تعممّ المعلومة الصحيحة وتنشرها فيتلقاها المواطن عبر وسائل إعلام متعددة، لا عبر قنواتها الخاصة فقط حتى لا تنتشر الإشاعة والأخبار الزائفة أو الإعتماد على الصحافة الأجنبية وكلّها تجارب تحفل بها الذاكرة الجماعية التونسية عبر العشريات التي تعاقبت منذ الإستقلال.
في المقابل، فإن التعاون بين المؤسسة والصحافة لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية، وإتاحة المعلومة من المصدر الرسمي لا تعني أن الصحفي سيأخذها مسلّمة ويرسلها في حالتها الخام بل هو ملزم بالتدقيق فيها ومقارنتها بالمصادر الأخرى ونقدها بعد الحصول عليها.
كما لا يمكن بناء علاقة سليمة بين الصحافة والمصادر الرسمية دون حدّ أدنى من الثقة المتبادلة فتحتاج الإدارة إلى صحفيين يحترمون قواعد التثبت والدقة، ويحتاج الصحفيون إلى إدارة تحترم حقهم في السؤال والوصول إلى المعلومة. وتزداد الثقة كلما أصبحت قواعد العلاقة واضحة ومتساوية ومعلنة.
تكشف علاقة الصحفي بالمصدر الرسمي في تونس عن مفارقة أساسية: فقد تطورت وسائل الاتصال، ولم تتطور معها إمكانية الوصول إلى المعلومة الرسمية والى مصدرها المباشر.
فالمشكلة الراهنة لا تقتصر على انعدام الأخبار الحكومية فقط، وإنما في محدودية المادة الإعلامية من حيث العمق والتفاصيل والتوقيت، وفي صعوبة الانتقال من البلاغ أو المنشور إلى المسؤول القادر على الشرح والتوضيح والمساءلة.
وتفسّر هذه الوضعية بعوامل عديدة كمركزية الاتصال، والخوف من التصريح الفردي، والرغبة في التحكم في الرسالة، مع مظاهر البيروقراطية الإدارية فضلًا،عن حساسية العلاقة السياسية بين السلطة والإعلام وشح المصادر الرسمية واعتماد أسلوب الحد الأدنى من الإتصال.
ويكمن الحلّ في بناء منظومة اتصال عمومي مؤسساتية ومنفتحة: من مواقع إلكترونية محيّنة باستمرار، ووثائق منشورة بصورة استباقية،و مسؤولون مختصون ،و لقاءات صحفية دورية، وآليات واضحة للاتصال أثناء الأزمات. ويمكن إعتماد تجربة وزارة الشؤون الثقافية في تنظيم لقاءات دورية مع الصحفيين كمثال عمليً لبناء علاقة متوازنة.
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى إتاحة المعلومات باعتبارها تنازلًا من السلطة للإعلام. فالمعلومة العمومية ملك للمجتمع، والصحافة إحدى أهم الآليات المهنية التي تمكّن المواطن من فهمها ومساءلة أصحاب القرار بشأنها. فتمكين الصحفي من المعلومة يحمى المجتمع من ظاهرة الإشاعة و من الأخبار المضلّلة.
ومن ثمّ فإن تحسين العلاقة بين الصحفي والمصدر الرسمي ليس مطلبًا مهنيًا للصحفيين وحدهم بل هو جزء من جودة الإدارة العمومية، وشفافية الدولة، وقدرة المجتمع على فهم ما يحدث واتخاذ مواقف مبنيّة على معلومات موثوقة.