مساءلة وسائل الإعلام العمومية في تونس بعد سنة 2011: بين التكريس القانوني والحدود الهيكلية

ملخّص

شهد المشهد الإعلامي العمومي في تونس منذ ثورة 2011 تحوّلات عميقة، تجسّدت أساساً في اعتماد نصوص قانونية جديدة تهدف إلى تكريس حرية الصحافة، وضمان الاستقلالية التحريرية، وتعزيز التعددية الإعلامية. وفي هذا السياق، برزت مساءلة وسائل الإعلام بوصفها أحد المبادئ الأساسية الحاكمة للمنظومة الإعلامية. ويتناول هذا المقال مدى تكريس الإطار القانوني التونسي لما بعد الثورة لمبدأ مساءلة وسائل الإعلام العمومية.

واعتماداً على تحليل وثائقي لأبرز النصوص التشريعية المنظمة للقطاع، ولا سيما المرسومين عدد 115 و116 لسنة 2011، والقانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة، وآليات تعديل القطاع السمعي البصري، والمواثيق المهنية، يبيّن المقال وجود تكريس قانوني جزئي لمبدأ المساءلة، يرتكز على مبادئ الشفافية والمسؤولية التحريرية وحق الجمهور في النفاذ إلى المعلومة.

غير أنّ الدراسة تُظهر في المقابل أنّ هذا التكريس يظل هشّاً بفعل جملة من العوائق السياسية والمؤسساتية والمهنية التي تحدّ من فاعليته. وتخلص إلى أنّ مساءلة وسائل الإعلام العمومية في تونس ما تزال أقرب إلى مشروع معياري قيد التشكّل منها إلى منظومة مؤسساتية متكاملة ومترسخة.

أصبحت مساءلة وسائل الإعلام من القضايا المحورية في المجتمعات التي تشهد انتقالاً ديمقراطياً، حيث ترافق عادةً عمليةُ إصلاح المنظومات الإعلامية مساراتِ التحرر والانفتاح السياسي. وفي تونس، فتحت ثورة 2011 مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الحقل الإعلامي، اتسمت بالتراجع التدريجي للرقابة الحكومية المباشرة على وسائل الإعلام العمومية وظهور أطر قانونية ومؤسساتية جديدة.

وفي الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، تشير مساءلة وسائل الإعلام إلى مجمل الآليات التي تُمكّن المؤسسات الإعلامية من تقديم الحساب بشأن ممارساتها أمام الجمهور وهيئات التعديل والمجتمع المدني. ويندرج هذا المفهوم ضمن نظرية المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التي تفترض أن حرية الصحافة تقترن بواجبات تتعلق بالشفافية، والتحقق من المعلومات، وخدمة المصلحة العامة.

وفي تونس، شهد القطاع الإعلامي بعد سنة 2011 سلسلة من الإصلاحات، من أبرزها إصدار المرسومين عدد 115 و116، وسنّ القانون الأساسي المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة، وإحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا). غير أنّ السؤال يظل مطروحاً حول مدى نجاح هذه الآليات في إرساء مساءلة فعلية، أم أنها لا تتجاوز مستوى الاعتراف القانوني دون أثر مؤسساتي مستدام.

لذلك يسعى هذا المقال إلى تحليل مدى تكريس الإطار القانوني التونسي لما بعد الثورة لمبدأ مساءلة وسائل الإعلام العمومية، واستكشاف أبرز القيود الهيكلية التي تحدّ من تفعيله. ويندرج هذا العمل ضمن بحث دكتوراه حول مساءلة مؤسسات الإعلام العمومي في تونس.

الإطار المنهجي

تعتمد هذه الدراسة على منهجية تحليلية نوعية قائمة على البحث الوثائقي، من خلال دراسة مجموعة من النصوص القانونية المنظمة لقطاع الإعلام في تونس بعد سنة 2011، وفي مقدمتها المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والمرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وإحداث الهايكا، والقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، إضافة إلى النصوص الترتيبية الخاصة بالإعلام العمومي والمواثيق الأخلاقية وآليات التعديل الذاتي.

كما تستند الدراسة إلى مقاربة تأويلية مستوحاة من نظريات المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام ومن أعمال دانيال هالين وباولو مانشيني حول النظم الإعلامية، بهدف رصد الآليات الصريحة والضمنية للمساءلة في الإطار القانوني وتحليل حدود تطبيقها.

التكريس القانوني التدريجي لمساءلة وسائل الإعلام العمومية

إعادة تشكيل الإطار المعياري بعد الثورة

مثّلت مرحلة ما بعد 2011 تحوّلاً قانونياً بارزاً في مجال تنظيم الإعلام. فقد كرّس المرسوم عدد 115 حرية الصحافة ومنع الرقابة المسبقة، كما أقرّ جملة من الضمانات المتعلقة بحق الرد وتصحيح الأخطاء، وهي عناصر أساسية في المساءلة التحريرية.

وفي السياق ذاته، أحدث المرسوم عدد 116 الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا)، باعتبارها هيئة تعديل مستقلة مكلفة بضمان التعددية واستقلالية القطاع السمعي البصري واحترام المبادئ الديمقراطية داخل وسائل الإعلام.

وقد أدخلت هذه الهيئة، نظرياً، منطقاً جديداً قائماً على الرقابة المستقلة والشفافية وتنظيم المضامين وحماية الجمهور، بما يساهم في بناء منظومة للمساءلة المؤسساتية. إلا أن التجربة التونسية كشفت سريعاً حدود هذا المسار، إذ واجهت الهايكا صعوبات سياسية ومؤسساتية متزايدة أثرت في استقلاليتها ونجاعة تدخلاتها.

فقد أدت الخلافات المتعلقة بالتعيينات، وصعوبة تنفيذ قراراتها، وغياب التوافق حول تجديد تركيبتها، إلى إضعاف قدرتها على الاضطلاع بدورها التنظيمي. كما شهدت الهيئة، منذ سنة 2021، تراجعاً ملحوظاً في فاعليتها في ظل التحولات السياسية التي اتسمت بتركيز السلطات والتشكيك في دور الهيئات المستقلة. ويعكس هذا الوضع الفجوة القائمة بين التكريس القانوني لمبدأ التعديل المستقل وبين الصعوبات العملية التي تعترض تجسيده في بيئة سياسية غير مستقرة.

الحق في النفاذ إلى المعلومة كأساس للمساءلة

يمثل القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة إحدى الركائز الأساسية لمنظومة المساءلة في تونس ما بعد الثورة. فمن خلال إقراره حق المواطنين في الاطلاع على الوثائق الإدارية الموجودة بحوزة الهياكل العمومية، يهدف هذا القانون إلى تعزيز الشفافية وترسيخ آليات الرقابة الديمقراطية.

وفي المجال الإعلامي، يسهم هذا الحق بشكل غير مباشر في تعزيز مساءلة وسائل الإعلام العمومية عبر تسهيل التثبت من المعطيات، وتمكين الصحفيين من النفاذ إلى البيانات العمومية، ودعم الصحافة الاستقصائية. وبذلك يساهم في بناء فضاء عام قائم على تداول المعلومات وإمكانية مراقبة أداء المؤسسات العمومية.

غير أنّ التطبيق الفعلي لهذا الحق ما يزال يواجه عراقيل متعددة، من بينها مقاومة بعض الإدارات للكشف عن المعلومات، واستمرار ثقافة الحجب والسرية داخل عدد من المؤسسات العمومية، خصوصاً في الملفات الحساسة ذات الطابع السياسي. كما ساهمت التطورات السياسية الأخيرة والتضييقات المتزايدة على الحريات العامة في إضعاف فاعلية هذا الحق، بما يعكس استمرار الهوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية.

آليات التعديل الذاتي والمسؤولية التحريرية

لا تقتصر مساءلة وسائل الإعلام العمومية على الأطر القانونية والتنظيمية، بل تتجلى أيضاً من خلال آليات التعديل الذاتي داخل المؤسسات الإعلامية، مثل المواثيق الأخلاقية، وآليات الوساطة الإعلامية، وإجراءات معالجة شكاوى الجمهور.

وتعكس هذه الأدوات توجهاً نحو تعزيز المسؤولية المهنية داخل غرف الأخبار، بما ينسجم مع المعايير الدولية للمسؤولية الاجتماعية للإعلام. فهي تهدف إلى تصحيح الأخطاء، والاستجابة لملاحظات الجمهور، وضمان احترام أخلاقيات المهنة.

إلا أنّ درجة إرساء هذه الآليات تختلف من مؤسسة إعلامية إلى أخرى، كما أن فاعليتها تبقى مرتبطة بطبيعة الهياكل التنظيمية والثقافة المهنية السائدة داخل المؤسسات.

مساءلة مكرّسة قانونياً ولكنها مقيّدة هيكلياً

مساءلة مجزأة وغير مكتملة المؤسساتية

رغم التطور النسبي للإطار القانوني المنظم للقطاع، ما تزال مساءلة وسائل الإعلام العمومية في تونس تتسم بالتجزئة. فالآليات القائمة موزعة بين نصوص ومؤسسات متعددة دون وجود منظومة متكاملة تجمع بينها في إطار موحّد.

ويؤدي هذا التشتت إلى الحد من انسجام منظومة المساءلة وإضعاف نجاعتها، خاصة في ظل ضعف التنسيق بين التعديل الخارجي الذي تمارسه الهايكا، وآليات التعديل الذاتي، وحق النفاذ إلى المعلومة.

القيود السياسية والمؤسساتية على استقلالية الإعلام

تتمثل إحدى أبرز العقبات أمام تكريس المساءلة في استمرار أشكال مختلفة من التأثير السياسي على وسائل الإعلام العمومية. فرغم وجود هيئات تعديل مستقلة، لا تزال آليات التعيين والتمويل والحوكمة مرتبطة جزئياً بالدولة.

ويؤدي ذلك إلى خلق توتر دائم بين مقتضيات الاستقلالية التحريرية ومتطلبات الرقابة المؤسسية، بما يحدّ من هامش استقلالية غرف الأخبار ويضعف آليات المساءلة.

ثقافة مهنية للمساءلة لا تزال قيد البناء

إلى جانب الجوانب القانونية والمؤسساتية، يرتبط نجاح المساءلة أيضاً بترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الشفافية والنقد الذاتي وتقديم الحساب. غير أنّ التحولات التي شهدها القطاع الإعلامي بعد الثورة لم تنجح بعد في ترسيخ هذه الثقافة بشكل كامل.

فآليات الوساطة الإعلامية ومعالجة شكاوى الجمهور ما تزال محدودة الحضور أو متفاوتة التطبيق داخل مؤسسات الإعلام العمومي، مما يحدّ من دورها في تعزيز الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور.

خاتمة

يُظهر تحليل الإطار القانوني التونسي لما بعد الثورة أن مساءلة وسائل الإعلام العمومية أصبحت مكرسة رسمياً من خلال جملة من الآليات التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية. وتعكس المراسيم المنظمة للقطاع، وقانون النفاذ إلى المعلومة، وآليات التعديل السمعي البصري، إرادة واضحة لإدراج الإعلام ضمن منطق المسؤولية الديمقراطية.

غير أنّ هذا التكريس القانوني لم يتحول بعد إلى مساءلة فعلية ومؤسساتية متكاملة. فما تزال الضغوط السياسية، والتشتت المؤسساتي، وضعف آليات التعديل الذاتي تحدّ من نجاعة هذه المنظومة.

وعليه، تبدو مساءلة وسائل الإعلام العمومية في تونس مساراً متواصلاً قيد البناء، يتأرجح بين طموحات الإصلاح القانوني وإكراهات الواقع المؤسساتي والسياسي. ويظل نجاح هذا المسار رهين تعزيز استقلالية هيئات التعديل، وتطوير آليات الرقابة الداخلية، وترسيخ ثقافة مهنية قائمة على المسؤولية والمحاسبة الصحفية.

مقالات ذات صلة

انتقل إلى أعلى الصفحة