لم تعد التصريحات السياسية مجرّد مواقف عابرة تُقال تحت قبّة البرلمان وتنتهي بانتهاء الجلسة، بل أصبحت مادة حيّة تتجاوز حدود المؤسسة لتؤثر في الرأي العام وتفجر نقاشات ومواقف في مكونات المجتمع المدني. هذا ما حدث خلال الجلسة العامة المنعقدة يوم 13 أفريل، حين أثار تصريح النائب طارق مهدي موجة من الجدل، بعد أن تضمّن، وفق ما تم تداوله، مقارنة صادمة أوحت بأنّ جريمة الاغتصاب قد تُفهم أو تُخفّف خطورتها عندما تطال نساء من إفريقيا جنوب الصحراء. لم يكن الجدل ناتجًا فقط عن صدمة العبارة، بل عن الدلالات التي تحملها، والتي دفعت كثيرين إلى التساؤل في أي خانة قانونية وأخلاقية يمكن تصنيف هذا الخطاب؟ وماهو دور الهايكا لو كانت موجودة اليوم؟
تكييف قانوني: حين تتحول العبارة إلى فعل
في ظاهرها، قد تبدو الجملة موقفا سياسيا مرتبطا بملف الهجرة، لكن في جوهرها القانوني تتجاوز ذلك بكثير. فحين يُفهم من خطاب صادر عن مشرّع أن جريمة الاغتصاب “أقل ضرر” عندما تطال فئة معينة، فإننا لا نكون أمام رأي، بل أمام خطاب يمكن أن يُكيّف كتحريض ضمني على العنف أو، في أدنى الحالات، تبرير له. هنا يبرز دور القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي لا يكتفي بتجريم الفعل، بل يشمل أيضا كل خطاب يهوّن من العنف أو يبرره.
كما يندرج هذا النوع من الخطاب ضمن التمييز العنصري بالمعنى القانوني الدقيق، إذ لا يشترط التمييز أن يكون شتيمة مباشرة، بل قد يتجلى في تفاضل ضمني بين الضحايا. وعندما تُمنح قيمة إنسانية أدنى لامرأة بناء على أصلها أو لون بشرتها، فإن ذلك يدخل في نطاق ما يجرّمه القانون عدد 50 لسنة 2018 المتعلق بالقضاء على التمييز العنصري. بذلك، تصبح الكلمة نفسها عنصرًا من عناصر الجريمة، خاصة إذا خلّفت أثرا مجتمعيا يعيد إنتاج هذا التمييز.
الحصانة البرلمانية: حماية الوظيفة لا تبرير الانحراف
تطرح هذه الحادثة مجددا حدود الحصانة البرلمانية، التي وُجدت أساسا لحماية النائب أثناء أدائه لوظيفته التشريعية والرقابية، لا لتوفير غطاء قانوني لخطاب قد يُرتّب تمييزا أو يبرر العنف. في الفقه الدستوري المقارن، هناك شبه إجماع على أن الحصانة لا تمتد إلى الأفعال أو الأقوال التي تُشكّل جريمة قائمة بذاتها. وبذلك، فإن التذرع بالحصانة لا يمكن أن يلغي إمكانية المساءلة، بل يؤجلها أو يقيّدها إجرائيا دون أن ينفيها من حيث المبدأ.
لم يظل الجدل حبيس الفضاء الإعلامي، بل وجد صداه داخل البرلمان نفسه. فقد اعتبر رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس النواب، ثابت العابد، أن ما صدر “يمثل سابقة خطيرة لا يمكن السكوت عنها”، مؤكدا أن التصريحات “لا تندرج في إطار حرية التعبير أو النقاش السياسي، بل هي خطاب يُهين الضحايا ويُسقط عن جريمة الاغتصاب خطورتها ويُضفي عليها تبريرات قائمة على تصنيفات عنصرية”.
وشدّد العابد على أن تبرير العنف الجنسي أو التقليل من شأنه، أيًا كانت الضحية، يمثل مساهمة مباشرة في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، مؤكدا أن كرامة الإنسان غير قابلة للتجزئة، وأن حماية النساء من العنف لا يمكن أن تُقاس بالجنسية أو اللون.

الجدل: حين يُختزل النقاش بين “وطني” و”خائن”
لا يمكن قراءة هذا الجدل بمعزل عن مناخ أوسع يُعاد فيه تشكيل النقاش العمومي بطريقة تبسيطية ومضلّلة، تقوم على ثنائية حادة بين شقّ يُقدَّم باعتباره “وطنيا” يدعو إلى طرد المهاجرين والتشدّد معهم، في مقابل شقّ آخر يُوصم بـ”الخيانة” لمجرد تبنّيه مقاربة حقوقية تدافع عن كرامة المهاجرين وحقوقهم الأساسية. هذا التقسيم، في جوهره، لا يعكس حقيقة النقاش بقدر ما يُنتج استقطابا حادا يُفرغ القضايا من تعقيدها، ويُحوّلها إلى مواجهة أخلاقية مبسّطة بين “مع” و”ضد”.
فالطرح الحقوقي لا ينفي حق الدولة في تنظيم سياساتها الهجرية أو حماية حدودها، لكنه يذكّر بأن هذه السياسات يجب أن تظلّ منسجمة مع الدستور والالتزامات الدولية، وألّا تتحوّل إلى مبرّر ينتهك الكرامة الإنسانية أو يبرر العنف. في المقابل، فإن شيطنة هذا الطرح ووصمه بعدم الوطنية لا يساهم في حل الإشكال، بل يعمّق الانقسام ويُضفي شرعية على خطابات متشددة قد تنزلق نحو التمييز أو التحريض.
الإعلام بين واجب النقل وخطر إعادة إنتاج الخطاب التحريضي
في خضم هذا الجدل، يبرز دور الإعلام بوصفه فاعلا أساسيا في نقل وتشكيل المعنى. فبحسب رئيس لجنة الأخلاقيات بمجلس الصحافة، د.محمد خليل الجلاصي، لا يمكن للصحفي الاكتفاء بنقل ما يُقال داخل البرلمان باعتباره “مصدرا خاما”، خاصة عندما يتعلق الأمر بخطاب يحمل أبعادا عنصرية أو تحريضية. فالصحافة، وفق هذا التصور، مطالبة بتقديم السياق، وتفكيك الخطاب، والإشارة إلى طبيعته وتأثيره، لا مجرد إعادة إنتاجه ونشره وتداوله.
ويحذر الجلاصي من أن إعادة نشر الخطاب دون تحليل أو تأطير يمكن أن تساهم في تكريسه وتطبيعه داخل الفضاء العام، وهو ما يُعدّ إشكالا أخلاقيا بامتياز. فالصحفي ليس مطالبا بتضخيم الخطاب، لكنه أيضا ليس مخوّلا لتداوله كما هو دون مساءلة، لأن ذلك قد يحوّله من ناقل إلى شريك غير مباشر في إعادة إنتاجه.
الهايكا الغائبة: من كان سيعدّل المشهد؟
يثير هذا الجدل أيضا مسألة غياب دور تعديلي واضح في المشهد الإعلامي، خاصة بعد تجميد الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. وفي هذا السياق، اعتبر القاضي عمر الوسلاتي نائب الرئيس السابق للهايكا، أن مثل هذا الخطاب يمكن أن يُصنّف ضمن التحريض على العنف، وأنه في حال وجود هيئة تعديلية فاعلة، كان من الممكن أن تُلزم القناة بعدم إعادة بث المقطع أو سحبه من التداول، نظرا لتعارضه مع مبادئ حقوق الإنسان.
ويطرح هذا الغياب إشكالا حقيقيا حول من يضبط حدود ما يُبث ويُعاد تداوله، خاصة في القضايا الحساسة التي تمسّ من الكرامة الإنسانية، حيث يصبح الفراغ التعديلي مجالا مفتوحا أمام انتشار الخطابات دون رقابة فعالة.
نقابة الصحفيين: رفض التطبيع مع خطاب مهين
من جهتها، عبّرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، عبر عضو مكتبها التنفيذي جيهان اللواتي، عن موقف حاد من التصريح، معتبرة أن ما قيل لا يمكن فهمه إلا كتطبيع مع جريمة الاغتصاب وإهانة مباشرة لكل الضحايا. وتساءلت في هذا السياق عن المعنى الضمني للعبارة، التي توحي بأن الجريمة قد تُفهم أو تُبرر وفق معايير عنصرية أو جمالية.
ودعت اللواتي إلى مقاطعة إعلامية للنائب المعني، معتبرة أن منحه منابر جديدة بعد مثل هذا التصريح يساهم في إضفاء شرعية على خطاب خطير، مشددة على أن الإعلام مطالب برفض إعادة إنتاج مثل هذه المواقف.

المجتمع المدني: إدانة واسعة وتحذير من التطبيع مع العنف
لم تتأخر منظمات المجتمع المدني في التعبير عن مواقفها، حيث أدانت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات التصريحات واعتبرتها خطاب كراهية صريحا يُشرعن العنف الجنسي ويُبيّضه، مشيرة إلى أنها تعكس ذهنية ذكورية وعنصرية تضع أجساد النساء في خانة “الاستحقاق” بناء على معايير تمييزية.
كما اعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن ما صدر لا يمكن اعتباره زلة لسان، بل هو تعبير عن خطاب يبرر العنف ويغذي التمييز، داعية إلى محاسبة النائب المعني وتحمّل البرلمان لمسؤوليته في وضع حد لمثل هذه الانحرافات. وشددت الرابطة على أن كرامة الإنسان، بغض النظر عن أصله أو لونه، تظل خطًا أحمر لا يقبل المساومة.

تكشف هذه الحادثة عن إشكالية أعمق تتجاوز التصريح في حد ذاته، لتطرح سؤالا مركزيا حول حدود حرية التعبير داخل المؤسسات الديمقراطية. فالكلمة، حين تصدر عن مسؤول منتخب، لا تُقاس فقط بنيّة قائلها، بل أيضا بتأثيرها في المتلقي، وبما يمكن أن تُنتجه من تصورات أو ممارسات على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، لا يعود النقاش متعلقا بحرية القول في حد ذاتها، بل بقدرة المجتمع ومؤسساته على مساءلة الكلمة عندما تتحول إلى أداة للتمييز أو تبرير العنف. فالديمقراطية لا تُختبر فقط في حماية حرية التعبير، بل أيضا في قدرتها على حماية الأفراد من تبعات هذه الحرية عندما تنزلق وتنحرف خارج حدودها.
خلاصة القول أن ما جرى تحت قبة البرلمان لا يمكن اعتباره حادثة معزولة، بل هو مؤشر على هشاشة التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية في السياق السياسي والإعلامي. ويبقى الرهان الحقيقي هو ضمان ألا تتحول الكلمة إلى أداة لإعادة إنتاج العنف أو التمييز، وأن يظل الفضاء العام، بما في ذلك البرلمان، منسجما مع المبادئ التي يقوم عليها وهي الكرامة، والمساواة، وسيادة القانون…