في الثالث من ماي من كل سنة، يُحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهي مناسبة أقرتها اليونسكو لتجديد الالتزام بحرية التعبير وتسليط الضوء على واقع الصحفيين. غير أن هذه المناسبة، التي تحمل هذا العام شعار “تحديات الإعلام في ظل التحولات الرقمية والضغوط المتزايدة”، تأتي في سياق عالمي متوتر، حيث تتراجع مؤشرات حرية الصحافة في عدة مناطق من العالم.
في تونس، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرا، إذ تحوّل هذا اليوم من محطة للاحتفاء بالمكتسبات إلى لحظة مساءلة حقيقية لواقع القطاع. فحرية الصحافة، التي كانت تُعد من أبرز منجزات ما بعد الثورة، تواجه اليوم جملة من التحديات المتشابكة، تتراوح بين التضييقات القانونية، والضغوط السياسية، والهشاشة الاقتصادية، وصولا إلى تحولات اجتماعية ورقمية تعيد تشكيل علاقة الصحفي بالمعلومة وبالجمهور.
المشهد العالمي: تراجع واسع وضغوط تتغير أدواتها
على المستوى الدولي، يكشف تقرير منظمة ” مراسلون بلا حدود “السنوي عن سياق عالمي مضطرب لحرية الصحافة، حيث لم يعد التهديد مقتصرا على العنف المباشر أو الرقابة التقليدية، بل اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا، من بينها ما يُوصف بـ”الحرب القانونية” ضد الصحفيين. هذا النمط الجديد يقوم على توظيف التشريعات والقوانين، ليس بهدف التنظيم أو الحماية، بل في كثير من الحالات لتقييد العمل الصحفي وإضعاف الأصوات النقدية.
في هذا الإطار، تظهر عدة مؤشرات مقلقة، أبرزها تزايد الدعاوى القضائية ذات الطابع الكيدي ضد الصحفيين في عدد من البلدان، واستغلال النصوص القانونية الفضفاضة لملاحقة الصحفيين، إضافة إلى ارتفاع مستويات الضغوط السياسية على وسائل الإعلام العمومية والخاصة على حد سواء. هذه العوامل مجتمعة ساهمت في خلق بيئة عالمية تُصنف على أنها أكثر هشاشة مقارنة بالسنوات الماضية، حتى في بعض الدول التي كانت تُعتبر تقليديا أكثر تقدما في مجال حرية التعبير.
كما يشير تقرير إلى أن هذا التراجع لا يقتصر على منطقة جغرافية واحدة، بل يمتد من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وصولا إلى أجزاء من القارة الأمريكية، حيث تتداخل عوامل العنف السياسي والجريمة المنظمة مع القيود القانونية والاقتصادية لتشكّل شبكة ضغط معقدة على العمل الصحفي.
تونس في المرتبة 137 عالميا
ضمن هذا المشهد العالمي، لا تبدو تونس خارج هذا المنحى العام. فوفق تصنيف “مراسلون بلا حدود”، تحتل تونس المرتبة 137 عالميا في مؤشر حرية الصحافة، وهو ترتيب يعكس تراجعا مستمرا خلال السنوات الأخيرة، ويترجم من خلال عدة مؤشرات مرتبطة بالبيئة القانونية والمؤسساتية للعمل الصحفي.
ويُعتبر الإطار القانوني أحد أبرز عناصر هذا التراجع، خاصة في ظل الجدل المثار حول المرسوم عدد 54 المتعلق ب”مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال”، والذي يرى فيه عدد من الصحفيين والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أداة يمكن أن تُستعمل لتوسيع دائرة الملاحقات ضد الصحافة النقدية، بدل أن يظل إطارا لضبط الفضاء الرقمي وحماية المعلومة.
تقول عضو المكتب التنفيذي بالنقابة جيهان اللواتي أن “النقابة رصدت خلال السنوات الأخيرة تحوّلا جذرياً في طبيعة الانتهاكات، حيث لم تعد تقتصر على الاعتداءات الجسدية والميدانية، بل أصبحت ممنهجة وقانونية، عبر توظيف المرسوم عدد 54 كأداة رئيسية للملاحقة، في مقابل تعطيل الأطر التنظيمية للمهنة مثل المرسومين 115 و116، وهو ما أدى بحسب تعبيرها إلى تحول الإطار القانوني من منظومة حماية للصحفيين إلى منظومة تضييق تضغط على كل الأصوات الحرة”.
إلى جانب ذلك، تتزايد حالات الإيقاف والتتبع القضائي في حق صحفيين، إضافة إلى تعليق نشاط بعض المؤسسات الإعلامية المستقلة على غرار موقع “نواة “والأحكام متعلقة بالنظر في الحل مثل جمعية “الخط” المشرفة على موقع “انكفاضة”، وهو ما يعزز الانطباع بوجود توسع في استخدام القضاء كأداة في التعامل مع الإعلام، بدل أن يكون إطارا لضمان الحقوق والحريات.
وفي هذا السياق، تشير نائبة رئيس مجلس الصحافة حنان زبيس إلى أن المجلس يسجل بوضوح تراجعا في منسوب الحريات في تونس، معتبرة أن “هذا التراجع لا يمكن عزله عن السياق السياسي العام، ولا عن التحولات التي عرفها المشهد التشريعي والمؤسساتي خلال السنوات الأخيرة. “
الصحافة بين الضغوط القانونية والواقع المهني اليومي
لا يقتصر تأثير هذا الوضع على المؤشرات العامة أو النصوص القانونية، بل ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للصحفيين داخل غرف الأخبار وفي الميدان. فقد أصبحت ممارسة العمل الصحفي أكثر تعقيدا، سواء فيما يتعلق بالنفاد إلى المعلومة أو فيما يخص تغطية الملفات الحساسة، خصوصا تلك المرتبطة بالشأن العام أو بالمساءلة السياسية.
وتضيف زبيس أن “هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على طبيعة المحتوى الإعلامي، وعلى صعوبة الوصول إلى المعلومة، خاصة الرسمية منها، حيث يواجه الصحفيون عراقيل وحتى ضغوطاً عند محاولة الحصول على التصريحات، بما قد يصل أحياناً إلى محاولة توجيه المحتوى الإعلامي نفسه. “
حيث تعرض 61 صحفي/ة الى اعتداء مرتبط بالحصول على معلومات ونشرها من أصل 91 اعتداء تم رصدها في تقرير “وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية التابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين” من أفريل 2025 الى أفريل 2026.
كما ارتفعت وتيرة الدعاوى القضائية ضد الصحفيين، بما في ذلك قضايا يُنظر لها على أنها ذات “طابع كيدي” كما وصفها مدير مكتب تونس لمنظمة “مراسلون بلا حدود” أسامة بوعجيلة، وهو ما يخلق مناخا من الضغط النفسي والمهني على العاملين في القطاع. هذا الوضع ينعكس أيضا على درجة الجرأة في التغطية الإعلامية، حيث تميل بعض الوسائل إلى الرقابة الذاتية و تجنب المواضيع الحساسة.
بالتوازي مع ذلك، تتزايد الضغوط غير المباشرة المرتبطة بالجانب الاقتصادي، إذ تعاني العديد من المؤسسات الإعلامية من هشاشة مالية واضحة نتيجة تراجع الإشهار وضعف الموارد، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية. هذا الواقع يضعف تدريجيا استقلالية التحرير، ويدفع في بعض الحالات إلى إعادة تشكيل أولويات المحتوى الإعلامي وفق اعتبارات البقاء الاقتصادي بدل المعايير المهنية.
الأزمة الاقتصادية: عامل خفي يعيد تشكيل المشهد الإعلامي
لا يمكن فهم وضع الصحافة في تونس دون التوقف عند البعد الاقتصادي الذي أصبح أحد أهم المحددات غير المباشرة لحرية الصحافة. فالنموذج الاقتصادي التقليدي القائم على الإشهار والاشتراكات يشهد تراجعا مستمرا، في ظل تقلص سوق الإعلانات وتراجع مبيعات الصحف الورقية.
هذا التراجع لم يكن مجرد أزمة مالية ظرفية، بل تحول إلى عامل بنيوي أثر على استمرارية عدد من المؤسسات الإعلامية، وأدى إلى إعادة هيكلة داخلية في بعضها، بينما اضطر البعض الآخر إلى تقليص أنشطته أو تغيير طبيعة محتواه بشكل جذري.
كما أن غياب حلول اقتصادية مستدامة لقطاع الإعلام ساهم في خلق حالة من الاعتماد المتزايد على مصادر تمويل محدودة، وهو ما يطرح بدوره إشكاليات تتعلق بالاستقلالية التحريرية. في هذا السياق، تصبح بعض المؤسسات الإعلامية عرضة بشكل غير مباشر لتأثيرات الممولين أو الإعلانات، ما ينعكس على جودة المحتوى وتنوعه.
البيئة الاجتماعية والتحولات الرقمية
على المستوى الاجتماعي، يواجه الإعلام التونسي تحديا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع مستوى الثقة الجمهور في وسائل الإعلام. هذا التراجع تغذيه عدة عوامل، من بينها انتشار المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، وتزايد خطابات الكراهية تجاه الصحفيين، حيث سجل “التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية” الصادرعن “النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين” بتاريخ 2 ماي 2026، أن 20 صحفي/ة تعرضوا/ن الى حملات تحريض وتهديد في الفضاء الرقمي من قبل نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاء موازيا للاعتداءات التي تطال الصحفيون/ات، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى ساحة لتضارب الروايات وانتشار الأخبار المضللة والزائفة، ما يزيد من صعوبة عمل الصحفيين ويضعف دور الإعلام المهني في اماطة اللثام عن الحقيقة من أجل الصالح العام.
كما ساهم هذا التحول الرقمي في إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالمعلومة، حيث لم يعد المصدر التقليدي هو الوحيد أو حتى الأساسي أحيانا، بل أصبح جزء من الجمهور يعتمد على مصادر متعددة، بعضها غير مهني، ما يفاقم أزمة الثقة في المشهد الإعلامي ككل.
السياق السياسي والتشريعي
سياسيا، ينعكس السياق العام الذي تعيشه تونس منذ سنة 2021 بشكل مباشر على وضع حرية الصحافة. فقد أدت التحولات الدستورية والتشريعية، خصوصا بعد دستور 2022، إلى إعادة رسم علاقة السلطات الثلاثة ببعضها البعض، مع تعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول مدى تأثير ذلك على الضمانات الدستورية لحرية التعبير.
كما أن التغييرات في طريقة التعاطي مع الإعلام العمومي، إضافة إلى غياب آليات مؤسساتية واضحة ومستقرة لتنظيم العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام، ساهمت في خلق حالة من الغموض القانوني والمؤسساتي، انعكست بدورها على المشهد الإعلامي العام.
وحول هذا أكدت حنان زبيس على أن “ممارسة العمل الصحفي باستقلالية أصبحت اليوم أمراً بالغ الصعوبة، في ظل هيمنة السلطة على الإعلام العمومي، وتأثيرها على جزء من الإعلام الخاص، وهو ما ساهم في عودة مناخ الخوف وتنامي الرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار. “
في الختام، يبدو أن حرية الصحافة في تونس تعيش اليوم مرحلة دقيقة تتداخل فيها عدة مستويات من التحديات، تبدأ من الإطار القانوني ولا تنتهي عند الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وبين هذه العوامل مجتمعة، يجد الصحفيون أنفسهم أمام بيئة مهنية معقدة تتطلب قدرا أكبر من الحماية القانونية والمؤسساتية لضمان استمرارية العمل الصحفي المستقل.
وإذا كان اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبة لإعادة طرح الأسئلة حول واقع المهنة، فإنه في الحالة التونسية يعكس أيضا الحاجة إلى مراجعة شاملة للسياسات الإعلامية، بما يضمن حرية الصحافة في منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والمؤسساتية والاقتصادية.