اليوم العالمي  لتدقيق المعلومات: معركة الحقيقة في زمن التضليل

في عصر تتدفق فيه الأخبار بسرعة غير مسبوقة، لم يعد السؤال ما الذي يحدث؟ بل أصبح هل ما يحدث حقيقي؟ فبين منشور وآخر على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تتحول معلومة غير دقيقة إلى حقيقة يتداولها الآلاف في ساعات قليلة. في هذا السياق، نستحضراليوم العالمي لتدقيق المعلومات الذي يُحتفل به في الثاني من أفريل من كل سنة، كتذكير عالمي بأهمية التثبت من الأخبار قبل تصديقها أو نشرها.

هذا اليوم لا يمثل مجرد مناسبة رمزية، بل يعكس تحوّلا عميقا في علاقة المجتمعات بالمعلومة، في ظل تصاعد ما يُعرف بالأخبار الزائفة أو حملات التضليل، الذي بات يشكل تحديا حقيقيا أمام الصحافة والجمهور على حد سواء.

من فكرة إلى مبادرة عالمية

تعود فكرة تخصيص يوم عالمي لتدقيق المعلومات إلى سنة 2014، حين طُرحت خلال مؤتمر جمع صحفيين وخبراء في التحقق من المعلومات في مدرسة لندن للاقتصاد. غير أن تجسيدها الفعلي جاء لاحقا، حيث أُطلقت رسميا سنة 2016 بمبادرة من الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات، ليتم الاحتفال بها لأول مرة في 2 أفريل 2017.

اختيار هذا التاريخ لم يكن اعتباطيا، إذ يأتي مباشرة بعد الأول من أفريل تاريخ “كذبة أفريل”، في مفارقة رمزية بين يوم يُحتفى فيه بالمزاح القائم على الكذب، ويوم يُكرّس للحقيقة والتثبت من المعلومات.

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم مناسبة سنوية تجمع مئات المؤسسات الإعلامية ومؤسسات التحقق حول العالم، بهدف تعزيز ثقافة التدقيق ومقاومة انتشار الأخبار المضللة.

لماذا أصبح التدقيق ضرورة ملحّة؟

لم يكن تدقيق المعلومات يوما أمرا ثانويا في العمل الصحفي، لكنه اليوم أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد إنتاج المحتوى حكرا على المؤسسات الإعلامية، بل أصبح كل مستخدم ناشرا محتملا.

تقول الدكتورة أروى الكعلي أستاذة مادتي تدقيق المعلومات وصحافة البيانات بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، أن “التدقيق ليس ضرورة اليوم وإنما هو ضرورة بالأمس واليوم وغدا…ومن الضروري دائما، وفي أي عصر، أن نتأكد من المعلومات التي نحصل عليها. فعلى مرّ التاريخ، كنا نلاحظ وجود معلومات مضللة أو دعاية أو محتويات غير صحيحة، وعندما يصدقها الناس قد يتخذون بناء عليها قرارات، مثل الذهاب إلى مكان معيّن ثم يكتشفون أنه غير آمن مثلاً”.

وتوضح الكعلي “أنه خلال العقدين الأخيرين، ومع انتشار الشبكات الاجتماعية واستخدامها، أصبح بإمكان كل فرد أن ينشر ما يريد، دون وجود رقابة تتحقق مما ينشر قبل نشره. وبالتالي يمكنه نشر ما يشاء، ثم نقوم نحن لاحقا بتدقيق هذا المحتوى وتمحيصه، لنتأكد إن كان صحيحا أم خاطئا.”

وأكدت كذلك على أنه “يفترض أن تكون عملية التحقق القبلي موجودة لدى وسائل الإعلام، بحكم التزامها بأخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف التي تفرض عليها القيام بعملية التدقيق والتحقق. لكن في الوقت نفسه، لم تعد وسائل الإعلام هي المصدر الوحيد للمعلومة، كما أن وسائل الإعلام لا تقوم كلها بعملية تدقيق منهجية. وبالتالي، يمكن أن تكون وسائل الإعلام مصدرا لبعض المعلومات الخاطئة أو المضللة، كما يمكن أن يكون المستخدم العادي كذلك، ويمكن أيضا أن تكون هناك جهات تستفيد من نشر هذه المعلومات غير الدقيقة أو تقوم أصلا بفبركتها لأغراض معينة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو في إطار حملات لصالح دول أو شركات أو أشخاص.”

وتشدد الكعلي على أن الحاجة إلى تدقيق المعلومات اليوم أصبحت أكثر من السابق، نظرا لتضاعف حجم المحتويات المضللة والخاطئة التي نتعرض لها يوميا بشكل كبير.

ذلك أن هذا التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب واسعا أمام انتشار معلومات غير دقيقة، سواء عن قصد أو عن غير قصد. اضافة الى أن الحملات المضللة، خاصة خلال الأحداث السياسية أو الصحية، أسهمت في تضليل الرأي العام والتأثير على قرارات الأفراد.

وأكبر مثال على ذلك انتخابات 2016 في الولايات المتحدة التي شكلت نقطة تحول بارزة، حيث طغت معضلة الأخبار الزائفة على النقاش العام، مما دفع إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على أهمية التحقق من المعلومات. 

وخلال جائحة “الكوفيد” عرف العالم موجة من الأخبار المضللة حول أسباب الجائحة وعلاجاتها المزعومة، منها على سبيل المثال  الشائعة التي انتشرت في تونس على وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن الثوم يشفي من فيروس كورونا، وحتى الآن مازال بعض الناس يتداولون هذا الوهم.

تدقيق المعلومات في زمن الذكاء الاصطناعي 

لا يمكن تجاهل دور الذكاء الاصطناعي الهام في مجال تدقيق المعلومات، حيث أصبح أداة فعّالة تساعد الصحفيين/ات والمدققين/ات على التعامل مع الكمّ الهائل من المحتوى المتداول يوميا. فمن خلال تقنيات البحث العكسي في الصور والفيديوهات، يمكن لهذه الأنظمة التحقق من صحة الصور ومقاطع الفيديو، بل وحتى كشف المحتوى المُولّد أو المُعدّل  بالذكاء الاصطناعي. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع عملية التدقيق، عبر فحص المعلومات ومقارنتها بقواعد بيانات موثوقة في وقت قياسي. غير أن الاعتماد عليه لا يلغي دور الإنسان.

وفي هذا الاطار تؤكد الدكتورة أروى الكعلي “إن توظيف الذكاء الاصطناعي في تدقيق المعلومات يمكن أن يتم عبر مراحل متعددة، سواء من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو من خلال الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتي تُستخدم لتطوير أدوات تساعد في عمليات التحقق بشكل عام. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يُعدّ عنصرا مساعدا، ولا يمكن في الوقت الحالي، ونحن في سنة 2026، الاعتماد عليه بشكل كامل في تدقيق المعلومات، رغم ما يقدمه من دعم ومساعدة في عدد من المراحل.

فهو يمكن أن يساهم في المراحل الأولى، مثل البحث، وتحديد المصادر، والتحقق من بعض النقاط، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن المحتويات التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي هي نفسها تحتاج إلى التحقق من صحتها، أي أن عملية التحقق تظل ضرورية دائمًا. لكن الإشكال الحقيقي يظهر عند محاولة إنجاز العملية بالكامل.”

واضافت د. الكعلي أننا “ أمام حاجة متزايدة إلى التحقق والتدقيق في المحتويات المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وذلك بسبب انتشارها الواسع، حيث أصبحنا نشاهد صورا ومقاطع فيديو مفبركة، أو معدّلة، أو مولّدة بالكامل باستخدام هذه التقنيات، وقد يصدقها الناس.

فهذه الصور أو الفيديوهات، أو حتى النصوص والتغريدات المُولَّدة، قد تعكس أحيانا واقعا حدث بالفعل، كما يمكن أن تكون مفبركة لوقائع لم تحدث، أو تُستخدم لدعم سردية معينة، مثل التأثير في تعاطف الجمهور مع قضية أو شعب، ثم يتم لاحقا التشكيك فيها بالقول إنها محتويات مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن الاستخدامات متعددة، وهو ما يجعل الحاجة إلى تدقيق المعلومات أكبر بكثير“.

وفي المقابل، ورغم المخاوف الكبيرة من أن الذكاء الاصطناعي قد يعوّض الصحفيين/ات أو يأخذ مكان بعض المهن، فإنه إلى حدّ الآن غير قادر على ذلك، ولا يمكنه تعويض دور مدقق المعلومات، نظرا لأهمية هذا الدور في ظل انتشار هذه المحتويات.

وأضافت أنه “فيما يتعلق بقدرة تدقيق المعلومات على الصمود في زمن الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك ممكن، باعتبار أن التدقيق هو منهج وممارسة تهدف إلى تصفية المحتوى، ويعتمد على مجموعة من الخطوات المنهجية التي تقود إلى نتائج محددة، وهو قادر على التكيف مع أنواع مختلفة من المحتوى.

غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتطور بشكل يجعل كشفه أكثر صعوبة، كما أن بعض الآليات المستخدمة، مثل إعادة إنتاج الصور المولّدة وتقديمها بطرق مختلفة، قد تجعل أدوات الكشف غير قادرة على التعرف عليها، وهنا لا تكون حدود تدقيق المعلومات، بل حدود الأدوات والوسائل التقنية المتاحة للكشف.

وأكدت د. الكعلي أن “تدقيق المعلومات يظل  وسيلة لحماية الجمهور من خلال ترسيخ هامش من عدم اليقين، إذ يعتمد المدقق على جمع الأدلة للوصول إلى نتيجة. وفي حال عدم التمكن من إثبات صحة المحتوى أو زيفه، يصبح من الضروري الإشارة إلى ذلك بوضوح، وفتح مجال الشك أمام الجمهور، ودعوته إلى عدم تصديق المحتوى في غياب أدلة كافية. وفي الحالات التي يتم فيها التوصل إلى نتيجة، سواء بإثبات أن المحتوى صحيح أو مولّد، فإن ذلك يكون بناءً على منهجية واضحة. غير أن هناك حالة ثالثة، وهي عدم التوصل إلى نتيجة حاسمة، وهنا يتعيّن على مدقق المعلومات أن يكون صريحًا وشفافًا مع الجمهور، دون محاولة فرض استنتاج غير مؤكد. كما أن الاعتماد على الأدوات وحدها لا يكفي، نظرا لهامش الخطأ الذي قد تحمله، مما يستوجب اعتماد مقاربة شاملة في التحقق من المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، تجمع بين الأدوات التقنية والتحليل البشري. وقد أظهرت بعض الأمثلة، مثل مقطع فيديو نُسب إلى بنيامين نتنياهو وقيل إنه مولّد، أن التحقق الدقيق قد يثبت عكس ذلك من خلال الأدلة.”

 أهداف اليوم العالمي لتدقيق المعلومات

لا يقتصر اليوم العالمي لتدقيق المعلومات على كونه مناسبة للاحتفاء بجهود المدققين/ات والصحفيين/ات، بل يتجاوز ذلك ليشكل دعوة حقيقية إلى تغيير سلوك الأفراد والمؤسسات في التعامل مع الأخبار والمحتوى الرقمي. فهو يسعى بالأساس إلى ترسيخ ثقافة التثبت من المعلومات قبل تداولها، في مواجهة الانتشار السريع للأخبار الزائفة، كما يهدف إلى دعم الصحفيين والمنظمات المتخصصة في التدقيق وتعزيز دورها في حماية المجال الإعلامي من التضليل. وفي السياق ذاته، يركز هذا اليوم على رفع مستوى الوعي بخطورة المعلومات المضللة وتأثيرها على المجتمعات، إلى جانب تشجيع الجمهور على تبني التفكير النقدي وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو غير الموثوقة. وتؤكد الجهات المنظمة لهذه المبادرة أن مسؤولية التحقق من المعلومات لم تعد حكرًا على الصحفيين وحدهم، بل أصبحت مسؤولية جماعية يشترك فيها كل من يستهلك أو ينشر محتوى في الفضاء الرقمي.

مكافحة التضليل مسؤولية جماعية 

لا يمكن الحديث عن اليوم العالمي لتدقيق المعلومات دون الإشارة إلى الحاجة الملحّة لبناء ثقافة إعلامية قائمة على النقد والتحليل، بدل الاستهلاك السريع للمحتوى.

فالرهان اليوم لم يعد فقط على إنتاج معلومة صحيحة، بل على ضمان وصولها إلى جمهور قادر على فهمها وتقييمها. وهو ما يتطلب إدماج التربية على وسائل الإعلام في المناهج التعليمية، وتعزيز دور الصحافة الجادة في تقديم محتوى موثوق.

في النهاية، يذكّرنا اليوم العالمي لتدقيق المعلومات بحقيقة بسيطة لكنها أساسية وهي أن الحقيقة لا تنتصر وحدها، بل تحتاج إلى من يدافع عنها.

في عالم تتداخل فيه الحقائق مع الإشاعات، يصبح التثبت من المعلومات فعلا يوميا، وليس مجرد ممارسة مهنية. وبين صحفي يسعى إلى الدقة، ومواطن يرفض أن يكون حلقة في سلسلة التضليل، تتشكل معركة صامتة، عنوانها “الحقيقة أولا”.

مشاركة

أميمة زرواني 2 أفريل 2026

صحفية ومدققة معلومات وطالبة ماجستير صحافة استقصائية بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار