الحرب على السرديّة الفلسطينيّة: الاحتلال الرقمي ومحاصرة صوت فلسطين

د. غسان نمر/ فلسطين، استاذ مساعد في الاعلام والعلاقات العامة

في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل الفلسطينيّين على الأرض في غزة، تشنّ كذلك حربًا موازية على صعيد الفضاء الرقمي لا تقلّ ضراوة عن الحرب الميدانيّة. فقد تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى جبهة حاسمة في الصراع، حيث لم تعد المعركة حول الأرض فحسب بل أيضا حول الحقّ في سرد الحقيقة ورواية واقع ممارسات إسرائيل ضدّ الفلسطينيّين على الأرض من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والرقمي.

ولا تُعتبر ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، في هذا السياق، عملاً اعتباطيًّا أو ظرفيّا عابرًا أو مجرّد خطوات قمعيّة عمليّة مرتبطة بتطوّرات حرب الإبادة التي جرت وتجري حتى اللحظة في غزة وكذلك في الضفة الغربية، بل تُعدّ ممارسات ممنهجة ضمن استراتيجية إسرائيليّة شاملة ومدروسة ومحكمة تعمل على فرض احتلال رقمي، بهدف قمع الرواية الفلسطينيّة ومنعها من الوصول إلى العالم، بينما تروّج رواية إسرائيليّة مهيمنة أحاديّة التوجّه والمعنى. هذه الحرب على السرديّة الفلسطينيّة تستخدم أدوات متطوّرة جدّا تبدأ من الرقابة الآليّة وتصل إلى التضليل المنظّم، في محاولة لإسكات أصوات الفلسطينيين وشهود عيانهم وحلفائهم، وإخفاء جرائم الحرب عن أنظار العالم…

الأدوات المتعدّدة لـ “الاحتلال الرقمي”

يعتمد الاحتلال الإسرائيلي على مجموعة من الآليّات المترابطة والممنهجة لتحقيق سيطرتها على السرديّة الفلسطينيّة، بعضها تنفّذه بشكل مباشر، والبعض الآخر من خلال تأثيرها على شركات التكنولوجيا العالميّة، ويتمّ ذلك من خلال ما يلي:

أولاً: الرقابة الرقميّة عبر شركات التواصل الاجتماعي: يُعدّ ذلك الوجه الأكثر وضوحًا للحرب الرقميّة. توثّق منظمات حقوقيّة، مثل هيومن رايتس ووتش، حملة منهجيّة لقمع المحتوى المؤيّد لفلسطين على منصّتي فيسبوك وانستغرام (المملوكتين لشركة “ميتا”)، خاصة بعد حرب عام 2023. وتتجلّى هذه الرقابة في أشكال عدّة:

السبب الجذري لهذا القمع، كما يوضّح تقرير هيومن رايتس ووتش، يعود إلى سياسات شركة “ميتا” الغامضة وغير المتّسقة، واعتمادها المفرط على الأدوات الآليّة لفهم السياق المعقّد للغة العربيّة والصراع، وتجاوبها الواسع مع طلبات الحذف المقدّمة من “الوحدة السيبرانية” الإسرائيليّة. ففي عام 2020 وحده، أي قبل بدء حرب الإبادة، وافقت إدارة فيسبوك على 81% من طلبات الحذف الإسرائيليّة.

ثانيًا: الحملات المنظّمة للتضليل والإلهاء: إلى جانب كتم الأصوات، تنشر إسرائيل معلومات مضلّلة نشطة. ويشمل ذلك:

ثالثًا: الضغط المباشر والملاحقة: يواجه المدوّنون والنشطاء الفلسطينيّون مخاطر تتجاوز الحظر الرقمي. ويشمل ذلك:

آليّات محاصرة المدوّن الفلسطيني وطرق مقاومتها

إنّ ما سبق كله ليس فقط ما يجري فيما اسميناه الاحتلال الرقمي، بل إن دولة الاحتلال تعمل على جميع الأصعدة للتضييق على المدوّن الفلسطيني في ساحات الفضاء الرقمي بما يعدّ أشبه بالحرب المخطّطة ضمن أربع مراحل مدروسة هي:

المرحلة الأولى: التعتيم وتحديد الانتشار: عندما يبدأ المدوّن بنشر محتوى حقيقي مؤثّر، تواجه منشوراته “التقييد الخفي” أو الإخفاء من “الهاشتاغات” العامة، ممّا يقلّل من مدى انتشارها بشكل كبير.

المرحلة الثانية: العقاب والحذف: إذا وصل المحتوى إلى جمهور واسع رغم إجراءات التعتيم، تبدأ المنصّة في إصدار تحذيرات أو حذف المحتوى بدعوى انتهاك “معايير المجتمع” الغامضة، وغالباً دون تفسير واضح.

المرحلة الثالثة: تعطيل القناة: في حالات كثيرة، يتصاعد العقاب إلى تعليق الحساب مؤقتًا أو إغلاقه نهائيًّا، ممّا يفقد المدوّن أرشيفه الرقمي ومتابعيه وقدرته على التواصل.

المرحلة الرابعة: إرهاب رقمي: يتعرّض المدوّنون لحملات من حسابات وهميّة ومنظّمة تهدف إلى تشويههم شخصيّا أو إغراق صفحاتهم بتعليقات عدائيّة أو حتّى سرقة هويّتهم الرقميّة لتوظيفها في نشر معلومات مضلّلة بأسمائهم. ولكن رغم هذه الآليّات القمعيّة، يبتكر الفلسطينيّون وحلفاؤهم باستمرار طرقًا جديدة لمداورة الرقابة والتغلّب عليها من خلال:

من هنا يبدو جليًّا أنّ الحرب على السرديّة الفلسطينيّة ليست حادثًا عابرًا، بل تُشكّل محورًا أساسيّا من سياسة الاحتلال الشاملة التي تقوم على أساس استراتيجية إسرائيليّة هدفها النهائي فرض احتلال شامل على الشعب الفلسطيني. وهو هدف يسعى إلى إخفاء الفلسطيني عن الفضاء الالكتروني كليّا، في خطّة ممنهجة ترمي إلى تحقيق تعتيم تامّ على أيّ مضمون فلسطيني، ومحوه تمامًا كلمةً وصوتًا وصورةً. ومن ثمّة إنهاء قضيّته عبر حملات التقتيل والتهجير جسدًا لعشرات الآلاف والتقتيل رمزًا وحضورًا رقميّا بطمس روايته ودفنها تمامًا. فلا يخفى أنّ الاحتلال الإسرائيلي بكلّ آلياته إنّما يُخطّط ويعمل على تحقيق ما يراه معادلة “النسيان”، اعتقادًا منه بأنّه مع مرور الوقت سوف يُنسى الفلسطينيّون وسرديّتهم كليّا.

وفي مقابل استراتيجيات الاحتلال بكلّ الدعم الغربي وآليات القمع والتزييف، يبقى صوت الفلسطيني مندفعًا من تحت الأنقاض لتوثيق جرائم التقتيل والإبادة وفرض النسيان… فمجرّد تداول صورة ذلك الطفل تحت خيمة النزوح الممزّقة، وهو يروي فظاعة الحرب ولوعة المعاناة وأهوال التجويع والتهجير، هو سلاح مقاومة لا يُقدّر بثمن.

حماية هذا الصوت وضمان وصوله إلى العالم بأسره ليست قضية إعلاميّة فحسب، بل هي معركة وجود من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، فانتصار السرديّة الفلسطينيّة في الفضاء الرقمي هو انتصار للإنسانية على آليّات التشويه والتعتيم والإبادة…

مشاركة

د.غسان النمر 10 جانفي 2026