في يومها العالمي: رغم التحديات… الإذاعة صوت لا يشيخ!

آمنة السلطاني، صحفية وطالبة باحثة في علوم الإعلام والاتصال

في 13 فيفري من كل سنة، يحتفل العالم باليوم العالمي للإذاعة، الذي أقرّته اليونسكو سنة 2011 تخليدا لأول بث إذاعي للأمم المتحدة سنة 1946. غير أنّ هذه المناسبة لا ينبغي أن تُختزل في استعادة رمزية لتاريخ وسيلة إعلامية عريقة، بل هي محطة للتأمل في مسار الإذاعة وتحولاتها، وفي قدرتها المتجددة على إعادة تعريف دورها داخل مشهد إعلامي يتغير بوتيرة متسارعة.

فالإذاعة، رغم تاريخها الطويل، لم تعد تبث في سياق مستقر أو معزول، بل ضمن فضاء إعلامي مفتوح على منافسة متزايدة، وجمهور متغيّر، وأنماط استهلاك جديدة للمحتوى. وفي هذا الإطار، يتحول الاحتفاء بها إلى فرصة لإعادة تقييم موقعها الفعلي، ومدى قدرتها على الحفاظ على تأثيرها، واستيعاب التحديات التي تواجهها في بيئة اقتصادية ضاغطة وسياق تنظيمي يشهد تحولات متلاحقة، ضمن منظومة إعلامية تعيد تشكيل نفسها باستمرار.

الإذاعة.. قرب دائم من المواطن

رغم التحولات الرقمية المتسارعة، ما تزال الإذاعة تحتفظ بخصوصيتها داخل المشهد الإعلامي، فهي الوسيلة الأكثر نفاذا إلى مختلف الجهات، والأيسر وصولا إلى الجمهور، والأقل كلفة من حيث الإنتاج والاستهلاك. حضورها لا يرتبط بمكان محدد، تُستمع في السيارة، في أماكن العمل، في المنازل، أو عبر الهاتف المحمول، ما يجعلها جزءا من الإيقاع اليومي للحياة العامة.

سعيد، سائق سيارة أجرة، يلخص هذه العلاقة اليومية بقوله: “لا أستطيع العمل إلا والمذياع يشتغل، أحفظ أسماء البرامج والمذيعين كما لو كانوا من أفراد العائلة، وأنتبه لغيابهم. ليس لدي هاتف ذكي ولا أستعمل فايسبوك، لكن الراديو يجعلني على اطلاع دائم، ويمكنني من مناقشة أصدقائي في مختلف المواضيع”.

بالنسبة إلى سعيد، لم يعد الراديو مجرد وسيلة تسلية، بل رفيقا يوميا ومصدرا أساسيا للمعلومة، يسهم في بناء المعرفة وتنمية مهارات التواصل.
هذا القرب يمنح الإذاعة طبيعة خاصة، فهي ليست مجرد وسيط ناقل للمعلومة، بل فضاء حيا للنقاش العمومي، ومنبرا مفتوحا للتعبير عن المشاغل الجهوية والوطنية. وقد اضطلعت الإذاعات العمومية والخاصة والجمعياتية بهذا الدور بوضوح بعد 2011، حين ساهمت في توسيع المجال العام، وإتاحة المجال لأصوات لم تكن ممثلة بالقدر الكافي، وإثراء النقاش حول السياسات العمومية.

غير أن هذا الدور لا يستند إلى مدى الانتشار فقط، بل يتطلب شروطا موضوعية تتصل بمدى التأثير الفعلي للمحتوى، وجودته المهنية، وقدرة المؤسسات الإذاعية على الحفاظ على استقلاليتها في سياق متحوّل.

واقع يصعب قياسه… في غياب الدراسات

ترى الأستاذة الجامعية بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، الدكتورة حنان المليتي، في تصريح لمرصد الصحافة والحق في الإعلام، أن الحديث عن واقع الإعلام الإذاعي اليوم يظل محفوفا بالحذر المنهجي في ظل غياب دراسات دقيقة ومعايير واضحة تضبط مؤشرات الاستماع والتأثير. فالحكم على وضعية الإذاعة لا يمكن أن يقوم على الانطباع وحده، بل يحتاج إلى بيانات علمية تقيس تمثلات الجمهور وانتظاراته ومستوى رضاه.

ومع ذلك، تشير الملاحظة العينية والاستماع اليومي، وفق تقديرها، إلى أن الإذاعة ما تزال من أكثر وسائل الإعلام حضورا في تونس، ويرجع ذلك أساسا إلى سهولة النفاذ إليها، إذ يمكن الاستماع إليها عبر وسائل متعددة، وفي مختلف الأوقات والأماكن. كما يتميز المشهد الإذاعي بتنوع لافت، بين إذاعات عمومية وخاصة، وبرامج موجهة إلى فئات عمرية واجتماعية مختلفة.

غير أن هذا التنوع، في نظرها، لا يعني بالضرورة التأثير. فجودة المضامين، ومدى توافقها مع انتظارات الجمهور، تبقى مسائل لا يمكن حسمها دون دراسات معمقة في تمثلات الجماهير وأنماط استهلاكهم للمحتوى. فالتأثير لا يُقاس بعدد الإذاعات أو تنوع البرامج، بل بمدى تفاعل الجمهور وثقته واستمرارية علاقته بالوسيط.

تحدي الجمهور والمهنية

من جهتها، تعتبر الصحفية بالإذاعة التونسية ليليا الحسيني، في تصريح لمرصد الصحافة والحق في الإعلام، أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الإذاعة اليوم يتمثل في “تحدي الجمهور”. فالجمهور أصبح أكثر تنوعا واختلافا، ضمن مشهد إعلامي مفتوح على خيارات لا حصر لها ومنصات متنافسة. هذا التحول لا يفرض فقط تطوير المضامين، بل إعادة صياغة العلاقة مع المستمع باعتباره فاعلا لا متلقيا سلبيا، يمتلك بدائل عديدة ويمنح ثقته وفق معايير أكثر صرامة.

وتؤكد الحسيني، أن الحفاظ على هذه الثقة يمر عبر آنية الخبر، ودقته، ومصداقيته، والقدرة على التعبير عن مشاغل الناس بلغة قريبة من واقعهم. غير أن هذا المسار يتقاطع مع تحد لا يقل أهمية، يتمثل في الالتزام بالمهنية في سياق تتنامى فيه الأخبار الزائفة وتتسع فيه مساحات التضليل، حيث تصبح أخلاقيات المهنة عنصرا حاسما في ترسيخ الثقة والتميّز.

وفي ظل بيئة إعلامية واقتصادية صعبة، تصبح المعادلة دقيقة بين الاستقلال التحريري ومتطلبات الاستدامة المالية. فالمؤسسات الإذاعية مطالبة بضمان جودة المحتوى وموضوعيته، وفي الوقت ذاته تأمين موارد تضمن استمرارها وتحميها من أشكال الضغط المختلفة. وهكذا يتداخل الرهان المهني بالاقتصادي، ويغدو نجاح الإذاعة رهين قدرتها على إدارة هذا التوازن دون التفريط في جوهر رسالتها.

بين الأثير والمنصات الرقمية

أضحى التحول الرقمي أحد أبرز رهانات المرحلة بالنسبة إلى الإذاعة، فأنماط الاستهلاك السمعي تغيّرت، وأصبح الجمهور، وخاصة فئة الشباب، يميل إلى المضامين القصيرة والسريعة، القابلة للتداول والمشاركة، في مقابل البرامج المطوّلة التي ارتبطت تقليديا برصانة الخطاب الإذاعي وعمقه التحريري.

وترى الدكتورة حنان المليتي أن التحدي لا يكمن في الاختزال في حد ذاته، بل في القدرة على تحقيق توازن دقيق بين الجودة والاختصار، وبين العمق ومتطلبات الجذب داخل الفضاء الرقمي. فالمسألة لا تتعلق بمدة المحتوى بقدر ما تتعلق بكيفية إعادة صياغته بما يحافظ على قيمته المهنية، ويجعله في الوقت ذاته ملائما لبيئة إعلامية سريعة الإيقاع.

من جهتها، تؤكد الصحفية ليليا الحسيني، أن الإذاعة اليوم، مطالبة بتعزيز حضورها على المنصات الرقمية، وابتكار محتوى سمعي يتأقلم مع خصوصياتها التقنية والتفاعلية، دون التفريط في هويتها المهنية. فالرهان لا يتمثل في الانتقال من الأثير إلى المنصة، بل في بناء حضور متكامل يجمع بين الإثنين.

البودكاست: تهديد أم فرصة؟

لا ترى الدكتورة حنان المليتي ولا الصحفية ليليا الحسيني في البودكاست تهديدا لوجود الإذاعة، بل تعتبرانه امتدادا طبيعيا لتحولاتها.

فالبودكاست، في جوهره، قائم على ثقافة الصوت والسرد، وهي عناصر شكلت تاريخيا جوهر العمل الإذاعي، ما يجعله تطورا في الشكل، لا قطيعة في المضمون.

وتصف المليتي هذا التحول بأنه فرصة لإثبات قدرة الإذاعة على مواكبة الأشكال الجديدة للتلقي، دون التفريط في جوهرها المهني القائم على الرصانة والعمق. فالتحدي لا يكمن في دخول المنصات الرقمية، بل في توظيفها بما يعزز حضور الإذاعة ويمنح محتواها عمرا أطول خارج حدود البث التقليدي.

أما الحسيني، فترى أن البودكاست ليس بديلًا للإذاعة، بل مساحة إضافية للتجديد، يمكن إدماجها ضمن البرمجة أو عبر المنصات الرقمية للمؤسسات الإذاعية. ومن خلال هذا التوظيف، يصبح البودكاست أداة لتعزيز العلاقة مع جمهور جديد، لا منافسا يهدد الوجود.

الاستقلال الاقتصادي والتكوين: شرطا الاستمرار

وشددت ليليا الحسيني على أن تحسين الواقع الإذاعي يمر أساسا عبر إرساء نظام اقتصادي واضح يضمن تمويلا مستداما للمؤسسات الإذاعية، بما يحميها من التجاذبات السياسية والضغوط المالية. فالاستقلال الاقتصادي، في تقديرها، يشكل الأساس الضروري لأي استقلال تحريري فعلي، إذ لا يمكن الحفاظ على استقلالية الخط التحريري في ظل هشاشة مالية أو تبعية تمويلية.

كما تؤكد ليليا الحسيني على أهمية التكوين المهني المستمر، وتحديث الإمكانات التقنية، وتوفير فرص التدريب في المهن الجديدة المرتبطة بالرقمنة. فالتحول الرقمي لا يقتصر على تطوير المحتوى أو تغيير وسائط البث، بل يتطلب بنية مهنية مؤهلة قادرة على إنتاج مضامين تتلاءم مع البيئة الرقمية وتحافظ في الوقت ذاته على معايير الجودة والاحتراف.

هل تندثر الإذاعة؟

لا تؤمن الدكتورة حنان المليتي بما تسميه “خطاب النهايات”، معتبرة أن تاريخ الإعلام أثبت أن الوسائط لا تلغي بعضها البعض، بل تعيد توزيع أدوارها داخل المنظومة الإعلامية. فالصحيفة لم تختف بظهور الإذاعة، والتلفزيون لم يُقص الراديو، كما أن المنصات الرقمية لم تُنه حضور الوسائط التقليدية، بل دفعتها إلى إعادة تعريف موقعها ووظيفتها.

وترى الدكتورة، أن مستقبل الإذاعة لا يُقاس بوجود وسائط جديدة، بل بمدى مرونتها وقدرتها على التأقلم مع التحولات. فذكاء الإذاعة اليوم يكمن في قدرتها على الإصغاء إلى جمهورها، وفهم تحولات البيئة الرقمية، وتطوير أشكال حضورها دون التفريط في جوهرها المهني وبذلك، يصبح التجدد شرط الاستمرار، لا نقيضه.

في يومها العالمي، لا يكفي الاحتفاء بالإذاعة بوصفها وسيلة إعلام عريقة، بل يقتضي الأمر قراءة واقعها بوعي نقدي، وتقييم شروط استمرارها داخل مشهد إعلامي متحوّل. فمكانة الإذاعة اليوم ترتبط بمدى قدرتها على فهم جمهورها استنادا إلى أدوات قياس علمية، وبمدى توفر بيئة اقتصادية وتنظيمية تضمن استقلالها، بالإضافة إلى نجاحها في التأقلم مع المنصات الرقمية دون التفريط في معاييرها المهنية.

فالإذاعة ليست مجرد تردد في جهاز، بل هي فضاء عمومي يُبنى بالصوت، ويتأسس على الثقة بين الصحفي والمستمع. واستمرار هذا الفضاء رهين بقدرته على التجدد، وعلى إدارة التحولات دون أن يفقد جوهره.

ومع ذلك، قد لا تكون الإذاعة الوسيلة الأكثر صخبا في زمن المنصات المتعددة، لكنها تظل صوتا حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، وصوتا قادرا على الاستمرار ما دام قادرا على الإصغاء والتكيّف، وهي، في النهاية، الصوت الذي وإن تغيّر.. لا يشيخ.

شاهد أيضاً

في التربية الإعلامية والوقاية من مخاطر الطرقات الرقمية

أ. د عبد الكريم حيزاوي، أستاذ متميز بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار  مرة أخرى، حضر الاعلاميون …