
سجلت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين خلال شهر جانفي 2026، ستة عشر اعتداء ضد الصحفيين والصحفيات، لتتخذ بذلكالاعتداءات منحى تصاعديا للشهر الثاني على التوالي، بعد أربعة عشر اعتداء في ديسمبر وتسعة اعتداءات في نوفمبر.هذا التصاعد العددي لا يعكس فقط تواتر الانتهاكات، بل يطرح سؤالا أعمق حول طبيعة منظومة حماية الصحفيين في تونس وحدود فاعليتها.
فتوثيق الاعتداءات ليس نشاطا نقابيا يقتصر على التضامن أو الإدانة فحسب، بل هو مدخل لفهم العلاقة بين الدولة والإعلام، وأداة لإنتاج معرفة تُستثمر في النقاش العمومي والبحث العلمي ومساءلة السياسات العمومية المؤطرة لحرية الصحافة.
وفي هذا السياق، برز دور وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، التي تأسست سنة 2017 في إطار تفعيل خطة الأمم المتحدة لحماية الصحفيين، والتي تدعو إلى إرساء آليات وطنية للتوثيق واقتراح الحلول. غير أن هذه الآلية لم تكتف بتجميع المعطيات، بل سعت إلى تحويلها إلى أدوات ضغط ومقترحات إصلاح.
آلية رصد تتجاوز التوثيق
تعتمد وحدة الرصد منهجية عمل متعددة المستويات تبدأ بتلقي الإشعارات ولا تنتهي عند توثيقها، بل تمتد إلى المتابعة والتدخل عند الحاجة، إذ تستقبل الوحدة الشكاوى في مقرها أو عبر الهاتف، كما تُحال إليها الملفات من قبل المكتب التنفيذي للنقابة.
وتوضح منسقة وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، خولة شبّح، في تصريحها لمرصد الصحافة والحق في الإعلام، أن منهجية العمل تعتمد كذلك آلية إنذار مبكر تقوم على رصد مؤشرات الخطر في محيط العمل الصحفي، ويشمل ذلك متابعة الاحتجاجات، ورصد البرامج ذات الطابع السياسي والاجتماعي، ومراقبة التحقيقات الاستقصائية والمضامين المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي قد تعرّض منتجيها للاستهداف أو لحملات التحريض والتشويه.
ويمكن لأعضاء الوحدة، أيضا، التنقل ميدانيا لمعاينة التجاوزات ورصدها، بالإضافة إلى استقبال الصحفيين الضحايا للاستماع إلى شهاداتهم وتوثيقها، مع تنسيق مستمر مع منظمات المجتمع المدني لتوفير الدعم القانوني والنفسي اللازم.
وتنشر الوحدة تقارير شهرية على موقع مركز السلامة المهنية، إلى جانبصياغة بيانات حول الانتهاكات، تُعرض على المكتب التنفيذي للنقابة قبل نشرها. ووفق ما أكدته منسقة الوحدة، فقد تمّت متابعة ما يقارب 90 بالمائة من القضايا المنشورة ضد الصحفيين خلال السنوات الأخيرة، خاصة عبر شراكة متواصلة مع منظمة “محامون بلا حدود” لتأمين المرافقة القانونية.
من الاعتداء الميداني إلى التضييق القانوني: هل تغيّرت طبيعة الانتهاكات؟
تعتبر خولة شبح، أن الانتهاكات لا تبقى ثابتة في شكلها أو منسوبها، بل تتغيّر بتغيّر السياقين السياسي والقانوني، وبحسب طبيعة السياسات العمومية المعتمدة تجاه قطاع الإعلام. فنسق الاعتداءات، في تقديرها، يرتبط مباشرة بكيفية إدارة الدولة لعلاقتها بالإعلام، سواء على مستوى التنظيم الإداري أو على مستوى الخيارات التشريعية.
وتوضح شبّح، أن التحول قد يكون انتقالا من عراقيل إجرائية إلى تضييقات ميدانية، ومن حملات تشويه رمزية إلى ملاحقات قضائية. فمثلا، أدّى الفراغ الذي شهدته لجنة إسناد بطاقة الصحفي المحترف منذ سنة 2024 إلى ارتفاع حالات المنع والمضايقات بسبب بطاقات منتهية الصلاحية، وهو ما وثّقته تقارير الوحدة واستُخدم لاحقا في الضغط من أجل إعادة تفعيل اللجنة، كما أن تعطّل منح تراخيص التصوير لفائدة بعض وسائل الإعلام الأجنبية نقل الإشكال من مستوى إداري إلى مستوى ميداني، حيث تحوّل شرط الترخيص إلى أداة تعطيل للتغطية، خاصة خلال الاحتجاجات.
وفي الفضاء الرقمي، برز تحوّل آخر في طبيعة الاستهداف. فبعد أن كانت بعض الحملات تستند إلى التكفير أو التشويه على أساس ديني، أصبحت اليوم تقوم على اتهامات بالعمالة والإضرار بالمصلحة الوطنية أو المسّ بالأمن القومي، خصوصا عند انتقاد السياسات العمومية. أي أن الخطاب انتقل من منطق الوصم الأخلاقي إلى منطق التخوين السياسي، بما يعكس تغيّر السياق العام وطبيعة الخطاب المهيمن.
وترى منسقة وحدة الرصد، أن صدور المرسوم عدد 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، قد شكّل بدوره منعطفا نوعيا، إذ تزامن مع تصاعد الملاحقات المرتبطة بالنشر الإلكتروني. وبذلك انتقل جزء من الضغط من مستوى الحملات الرقمية إلى مستوى التتبعات القضائية وهذا التحول دفع الوحدة إلى إعادة توجيه جزء من برامج النقابة التكوينية نحو السلامة الرقمية، استجابة لمؤشرات ميدانية أكدت أن ساحة المخاطر لم تعد محصورة في الشارع، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي وقاعات المحاكم.
من يحمي الصحفي؟
تؤكد خولة شبح، في تصريحها لمرصد الصحافة والحق في الإعلام، أن سلامة الصحفي لا يمكن اختزالها في دور النقابة أو منظمات المجتمع المدني. فالدولة، في تقديرها، تتحمل المسؤولية الأولى باعتبارها الجهة التي تملك سلطة التدخل المباشر في ضمان أمن وسلامة المواطنين عموما، ومن بينهم الصحفيون، وهي المعنية كذلك بحماية حرية التعبير بوصفها حقا دستوريا وشرطا أساسيا لممارسة العمل الصحفي.
وتشير شبّح إلى أن النقابة، عبر مركز السلامة المهنية، عملت على إرساء آلية تنسيق مع وزارة الداخلية تقوم على “خلية أزمة” للتدخل في حالات الاحتجاز التعسفي أو تعطيل سير العمل الصحفي. كما تم، خلال الاستحقاقات الانتخابية، عقد شراكات مع الهيئة العليا المستقلةللانتخابات لتنظيم التغطية الصحفية، استنادا إلى التوصيات التي قدمتها وحدة الرصد بشأن الانتهاكات المسجلة في المواعيد السابقة، وهو ما أفضى إلى وضع آليات للتنسيق وتبادل المعلومات والتدخل لفائدة الصحفيين عند الحاجة.
غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود الدولة. فبحسب شبّح، تتحمل المؤسسات الإعلامية بدورها جانبا من المسؤولية، في ظل ما تصفه بضعف التزام عدد منها بتوفير الحد الأدنى من أدوات الحماية، والاعتراف القانوني بالصحفيين العاملين لديها، ودعمهم عند تعرضهم للاعتداء. وتضيف محدثتنا، أن هشاشة أوضاع التشغيل داخل بعض المؤسسات تجعل الصحفي الحلقة الأضعف في منظومة الحماية، وتضاعف من قابليته للاستهداف أو الضغط.
وفي هذا الإطار، تصف شبّح النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بأنها “دينامو حماية الصحفيين”، باعتبارها الطرف الأكثر تمثيلية والقادر على تجميع المعطيات، وبناء الشراكات، وفتح قنوات التفاوض مع الهياكل الرسمية والمؤسسات الإعلامية، وتحفيزها على اتخاذ إجراءات تصحيحية في مجال السلامة المهنية. وبهذا المعنى، يتجاوز دورها حدود التنديد إلى الاضطلاع بوظيفة تنسيقية واستباقية تقوم على الوقاية والاستجابة والمناصرة في آن واحد.
هشاشة الحماية القانونية
تصف خولة شبح الحماية القانونية الممنوحة للصحفيين اليوم بأنها “ضعيفة جدا”، معتبرة أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص، بل في طريقة تأويلها وتطبيقها. فبالرغم من أن المرسوم عدد 115 لسنة 2011 يكرّس جملة من الضمانات الأساسية، من بينها حماية مصادر الصحفي وعدم إخضاع التصوير في الفضاء العام لتراخيص مسبقة (باستثناء حالات محددة كالمحاكم)، فإن الممارسة الميدانية، وفق تقديرها، تكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق.
وتشير شبّح إلى أن عديد الصحفيين يُطالبون بتراخيص لا ينص عليها القانون، أو يُحالون على نصوص زجرية أخرى خارج الإطار المنظم للعمل الصحفي، مثل المرسوم 54 ومجلة الاتصالات وقانون مكافحة الإرهاب والمجلة الجزائية وغيرهم،.. وهو ما يفرغ المرسوم 115 من جزء من مضمونه الحمائي.
وترى منسقة وحدة الرصد، أن صدور المرسوم عدد 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال وسّع من نطاق المخاطر القانونية، خاصة في ما يتعلق بالنشر الرقمي. فإلى جانب تشديد العقوبات في بعض قضايا النشر، يتيح هذا النص إمكانيات لحجز المعدات أو النفاذ إلى المعطيات، بما قد يمسّ من سرية المصادر والمعطيات الشخصية، وهي عناصر تعتبرها وحدة الرصد، جوهرية في حماية العمل الصحفي.
وتبعا لذلك، لا يرتبط الإشكال، وفق شبح، بوجود إطار قانوني فقط، بل بمدى انسجامه مع الضمانات الدستورية لحرية التعبير، وبكيفية تفعيله بما لا يحوّل الحماية النظرية إلى هشاشة عملية.
صعوبات وحدة الرصد ورهان الاستمرارية
رغم مرور ما يقارب تسع سنوات على إحداثها، ما تزال وحدة الرصد تشتغل ضمن إطار مشروع غير قار من حيث الموارد البشرية والمالية. فالفريق المكلف بالرصد والتوثيق وصياغة التقارير والبيانات لا يتجاوز ثلاثة أشخاص، باحتساب المستشار القانوني، وهو ما يجعل حجم العمل يفوق في أحيان كثيرة الطاقة المتاحة، خاصة في فترات تصاعد الانتهاكات.
وفي الجهات، تعتمد الوحدة على شبكة من الزملاء والزميلات المتطوعين للتبليغ عن الحالات، وهو خيار أملته محدودية الإمكانيات، لكنه يظل رهينا بمدى توفر الوقت والالتزام، ما يطرح تحديات تتعلق بالانتظام والتغطية المتوازنة ترابيا.
وتقرّ منسقة الوحدة بأن محدودية الموارد تمثل أحد أبرز التحديات أمام تطوير العمل وتوسيعه، لا سيما في ظل تزايد الملفات وتنوع أشكال الانتهاك بين الميداني والرقمي والقضائي. ومع ذلك، تعتبر خولة شبّح، أن استمرار الوحدة وصمودها طوال هذه السنوات يعكسان الحاجة المهنية إليها داخل القطاع، ويعززان الرهان على مأسستها وضمان استدامتها باعتبارها آلية دائمة لحماية الصحفيين، ومكسبا جماعيا.
تكشف تجربة وحدة الرصد أن حماية الصحفيين لا تُختزل في التدخل بعد وقوع الاعتداء أو في مجرّد توثيق الانتهاك وإدانته، بل ترتبط ببنية أشمل تتقاطع فيها مستويات متعددة، من السياسات العمومية المعتمدة تجاه الإعلام، إلى الإطار القانوني المنظم للمهنة، مرورا بالأوضاع الاقتصادية الهشة التي تعيشها مؤسسات إعلامية عديدة، وصولا إلى الثقافة السائدة في المجتمع إزاء دور الصحافة ووظيفتها.
فالرصد، وإن كان خطوة أساسية لبناء سجلّ يوثّق الانتهاكات الممارسة ضدّ الصحفيين، يظل أداة لا غاية في حدّ ذاته، إذ يكمن التحدي الفعلي في تحويل المعطيات المجمّعة إلى مؤشرات تدفع نحوالإصلاح، وإلى مقترحات عملية تُراجع السياسات، وتُراقب مدى نجاعة الإطار القانوني، وتُحسّن شروط العمل الصحفي. وبهذا المعنى، لا تُقاس فاعلية الرصد بعدد الحالات المسجّلة فحسب، بل بمدى قدرته على التأثير في القرارات والممارسات، ونقل النقاش من مستوى التشخيص إلى التغيير، حتى تبقى سلامة الصحفي شرطا من شروط الحق الدستوري في إعلام حرّ ومسؤول، وضمانة أساسية لحقّ المواطن في النفاذ إلى المعلومة.
مرصد الصحافة والحق في الاعلام OJDI