
أ. د عبد الكريم حيزاوي، أستاذ متميز بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار
مرة أخرى، حضر الاعلاميون وغاب التربويون في لقاء فكري ومنهجي هام حول مأسسة التربية على الاعلام والمعلومة، انعقد يوم 12 فيفري الجاري بتونس، بدعوة من منظمة المادة 19 وبمشاركة منظمة اليونسكو والنقابة الوطنية للصحفيين ومجلس الصحافة. كما حضر الندوة أساتذة وطلبة من معهد الصحافة ونشطاء من الإذاعات الجمعياتية وبعض منظمات المجتمع المدني.
ولا نشك لحظة أن أهل التربية من وزارة وعلماء تربية ومتفقدين وأساتذة ومعلمين هم الأكثر وعيا بمخاطر “الطرقات الرقمية” على السلامة الذهنية لأطفالنا ولشبابنا وعلى توازنهم الفكري والعاطفي. ولا شك أيضا أنهم مطلعون على نتائج الدراسات التي تؤكد تشويش الاستعمال المكثف للهواتف الذكية والإدمان على منصات التواصل الرقمية على المسار التعلّمي لتلاميذ المدارس والمعاهد وحتى لطلاب الجامعات، خاصة بعد انتشار استعمالات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لكننا نقف على مفارقة لافتة تتمثل في مناصرة كثيفة للتربية الإعلامية صادرة عن منظمات المجتمع المدني وعن الإعلاميين من جهة، مقابل تشبث القلعة التربوية من جهة أخرى بثوابتها وإبقاء التربية الإعلامية على هامش برامج التكوين الأصلية. ولا بد أن نقر أن هذه البرامج تحتاج إلى شيء من الاستقرار والديمومة وأن المشرفين على وضعها مطالبون بتحقيق معادلة صعبة عند التعامل مع أي تحوير أو إصلاح.
ولعل أهم تعبير عن هذه المفارقة ما أقدمت عليه نقابة الصحفيين في اتجاه نواب البرلمان. وهو ما أثمر مبادرة تشريعية تقدم بها اثنان وثمانون نائبا بمجلس نواب الشعب مفادها “إحداث خطة مدرس مادة التربية على وسائل الإعلام والاتصال بالمؤسسات التربوية العمومية وانتداب خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار ” (مقترح قانون عدد 076/ 2025). وقد تم إيداع هذا المقترح بتاريخ 1 جويلية 2025.
وقد تكون هذه أول مرة في تاريخ تونس المعاصر يحتاج فيها مجرد إدخال مادة في البرامج المدرسية إلى مقترح قانون يعرض على أنظار البرلمان!
ومعلوم أن هذه المبادرة التشريعية قد لاقت تأييدا من أساتذة معهد الصحافة وعلوم الأخبار ومن طلبته الحاليين والقدامى، كما استحسنها العديد من مناصري التربية الإعلامية ومن منظمات المجتمع المدني المعنية.
غير أن هذا المقترح، والرغم من نبل مقاصده، لا يخلو من هنات ويتعين تعديله قبل عرضه على جلسة عامة واعتماده كنص قانوني نافذ. ونستعرض فيما يلي بعض الأفكار التي نقترح مناقشتها عند صياغة النسخة المعدلة من المشروع:
أولا: الارتقاء بالمشروع ليكون شاملا لإدراج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية بالمدارس والمعاهد، عوض عن الاقتصار على تشغيل حاملي شهادات معهد الصحافة من العاطلين عن العمل.
ثانيا: تجنب تعدد أهداف المشروع الذي يتضمن فصلا ثامنا لا علاقة له بالتربية الإعلامية إذ أنه ينص على “تخصيص نسبة من الانتدابات السنوية لسد الشغورات الحاصلة في مكاتب الإعلام والاتصال والعلاقات العامة في الوزارات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وفي كل مؤسسات الدولة. يتم ذلك عن طريق الانتداب المباشر وفق مناظرات تفتح حصريا لخريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار “.
ولا وجود لدعائم لهذا الفصل في وثيقة شرح الأسباب، لذلك من الأفضل أن يكون تعزيز تشغيلية خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار موضوع مبادرة تشريعية على حده، ترفقها أرقام وإحصائيات مقنعة، مع الأخذ في الاعتبار التراجع المحيّر لعدد المقبلين على التسجيل بمعهد الصحافة من بين الناجحين في البكالوريا.
وإن نجح الاعلاميون في إدراج مشروع التربية الإعلامية على جدول أعمال البرلمان، فإن الطريق نحو الوزارات المكلفة بالتربية وبالشباب وبالطفولة وبالثقافة وبالعائلة مازالت طويلة، ولن تطال التربية الإعلامية الفئات العريضة من تلاميذ المعاهد ورواد دور الشباب ودور الثقافة إلا بقرار سياسي يفتح أبواب هذه القلاع المنيعة أمام التربية الإعلامية لا كمادة تدريس فقط وإنما كحصانة فكرية تحمي الأجيال الناشئة وتؤهلهم للتعامل الراشد مع المحامل والمضامين الرقمية.
مرصد الصحافة والحق في الاعلام OJDI