
أعاد المرسوم عدد 54 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، الصادر في 13 سبتمبر 2022، إلى الواجهة الجدل حول حدود حرية التعبير والصحافة في تونس، وذلك خلال ندوة وطنية نُظّمت مؤخرا بالعاصمة تحت عنوان “حرية الصحافة في ظل المرسوم 54: التحديات والمخاطر التي تهدد الحق في النفاذ إلى المعلومة”، بشراكة بين منظمة مراسلون بلا حدود، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمة AccessNow
الندوة، التي جمعت صحفيين وحقوقيين ومختصين في القانون وعددا من نواب مجلس نواب الشعب، لم تقتصر على مناقشة الجوانب التقنية للنص، بل طرحت تساؤلات أعمق حول المسار الذي اتّخذه المرسوم 54 منذ دخوله حيّز التنفيذ، وتحوله من إطار قانوني يُفترض أن يهدف إلى مكافحة الجرائم السيبرنية ذات الطابع التقني، إلى نص يُوظف في قضايا رأي وتعبير، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على حرية الصحافة والحق في النفاذ إلى المعلومة.
من الجدل التقني إلى التتبعات القضائية
منذ دخوله حيّز التنفيذ، لم يبق الجدل حول المرسوم 54 في حدود النقاش النظري أو المواقف الحقوقية، بل تُرجم عمليا إلى تتبّعات قضائية شملت صحفيين ومحامين ونشطاء ومواطنين، وهو ما اعتبره المتدخلون مؤشرا على توسّع مجال تطبيقه خارج الجرائم المعلوماتية ذات الطابع التقني.
وفي هذا السياق، قال رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي، إنّ المرسوم 54 يُعدّ من أبرز آليات الحكم المعتمدة منذ 25 جويلية 2021، ويُطبّق اليوم في كامل محاكم الجمهورية، ولا يطال الصحفيين فقط، بل المواطنين العاديين أيضا. وأضاف أنّ “السلطة نفسها لا تمتلك أرقاما دقيقة حول عدد الأشخاص الذين حوكموا أو أُودعوا السجن بموجب هذا المرسوم”، مشيرا إلى أنّ الملاحقات شملت مواطنين بسبب تدوينات أو تصريحات تتعلّق بأوضاعهم الاجتماعية أو انتقادهم لأداء السلطات، مثل الحديث عن الفيضانات أو غلاء المعيشة أو سياسات الإدارة العمومية.
من جهته، شدّد نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبّار على أنّ “المرسوم 54 يجعل من كل صحفي ومواطن في حالة سراح شرطي”، معتبرا أنّ خطورته لا تكمن فقط في العقوبات السجنية، بل في ما خلّفه من مناخ خوف ورقابة ذاتية داخل الوسط الصحفي. وأضاف أنّ “المرسوم لم يُطبّق في قضايا جرائم سيبرنية كبرى، بل استُخدم أساسا في قضايا رأي”
وأوضح نقيب الصحفيين التونسيين، أنّ الإشكال لا يتمثّل في وجود نصّ يجرّم بعض الأفعال الرقمية في حدّ ذاته، بل في تداخله مع المنظومة القانونية الخاصة بالصحافة، وخاصة المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلّق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، الذي ينظّم قضايا الثلب والشتم ونشر الأخبار الزائفة ضمن إطار مهني قائم على مبدأ التناسب، وعلى عقوبات غير سالبة للحرية.
وتبعا لذلك، دعا دبّار إلى اعتماد هذا المرسوم كإطار قانوني مرجعي في قضايا الصحافة والرأي، بما يضمن حماية العمل الصحفي واحترام شروط المحاكمة العادلة.
الفصل 24 الأكثر إثارة للجدل
وتحوّل الفصل 24 من المرسوم 54 إلى محور أساسي للنقاش خلال الندوة، وهو فصل ينصّ على معاقبة نشر أو ترويج “أخبار أو إشاعات كاذبة” إذا اعتُبر أنّ من شأنها الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو “بثّ الرعب”، مع إقرار عقوبات سالبة للحرية وخطايا مالية مرتفعة، تبلغ 50 ألف دينار.
ويرى مختصون في القانون أنّ خطورة هذا الفصل لا تتعلّق فقط بمبدأ تجريم الأخبار الكاذبة، الموجود في تشريعات أخرى، بل بسعة المفاهيم المستعملة وغموض المقاصد وثقل العقوبات، وهي عناصر تفتح الباب أمام تأويلات واسعة قد تمسّ بحرية التعبير والعمل الصحفي.
وفي هذا الإطار، أوضح المحامي والمستشار القانوني للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، المنذر الشارني، أنّ تتبّع “الأخبار الكاذبة” غير وارد في اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مبيّنا أنّ هذا النوع من الجرائم منظّم أساسا في المرسوم 115، الذي ينطبق على الجميع ضمن ضوابط واضحة، مؤكّدا أنّ المرسوم 54 لا ينبغي أن يُطبّق على جرائم المحتوى والتعبير.
وبدوره، أكّد الجامعي والباحث في قانون الإعلام، الدكتور أيمن الزغدودي، أنّ الفصل 24 غير مطابقلاتفاقية بودابست، موضحا أنّ هذه الاتفاقية، المعتمدة سنة 2001، تُعنى أساسا بالجرائم التقنية مثل الاختراق والاحتيال الرقمي واعتراض الأنظمة المعلوماتية، ولا تتناول مضمون التعبير أو تقييم المحتوى. كما شدّد على أنّ المعايير الدولية، كما كرّستها اتفاقية بودابست واجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تشترط إعلام الأشخاص الذين تمّ الاعتراض على اتصالاتهم بعد انتهاء الإجراء، وهو ما لا ينصّ عليه المرسوم 54.
كما أثار المتدخلون خطورة الفصلين 7 و9، اللذين يمنحان صلاحيات واسعة في النفاذ إلى المعطيات الرقمية، وحجزها، ومنع الوصول إلى محتوى أو خدمات رقمية، مع غياب ضمانات واضحة تتعلّق بالإشعار اللاحق والرقابة القضائية الفعلية. وفي هذا الإطار، دعا شريف القاضي عن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى فتح حوار جدّي مع مختصين في التكنولوجيا والحقوق الرقمية عند مراجعة هذه الفصول
من جانبه، أكّد النائب بمجلس نواب الشعب، محمد علي،أنّ إدخال مقترح لتنقيح الفصل 24 لم يكن مسارا سهلا، مشيرا إلى وجود معارضة قوية داخل المجلس، واصفا ما تعرّض له مقدّمو المقترح بـ “الهرسلة”، ومحاولات متعدّدة لمنع إحالة المبادرة على اللجنة المختصة، في سياق عام وصفه بالمعادي لنقاشات حرية التعبير.
انعكاسات مباشرة على العمل الصحفي وعلى المجتمع
وأجمع المتدخلون على أنّ تطبيق المرسوم 54 خلّف مناخا من الخوف والرقابة الذاتية داخل الوسط الإعلامي، ما انعكس سلبا على قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي. واعتبر رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي أنّ “مهنة الصحافة أصبحت من المهن الخطرة، وقد تؤدي اليوم إلى السجن”، مؤكّدا أنّ الخطر لا يهدّد الحريات فقط، بل المهنة والمعلومة والمجتمع ككل.
وفي سياق متّصل، وقع 160 ناشطا وشخصية عامة، عريضة مواطنيّة، عبّروا فيها عن رفضهم لما اعتبروه محاولات لإخضاع الإعلام وتقويض استقلاليته، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة الرفض لتداعيات المرسوم 54 في المجال العام.
وعموما، فإنّ الإشكال المطروح لا يتمثّل في رفض مبدإ مكافحة الجرائم السيبرنية، بل في ضرورة مراجعة تأويل المرسوم 54وكيفية تطبيقه، بما يضمن توازنا حقيقيا بين متطلبات الأمن وحماية حريات التعبير والاعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة. وهو ما شدد عليه المتدخلون في الندوة الوطنية، معتبرين أنّ تنقيح المرسوم، وخاصة الفصل 24 وبعض الفصول الإجرائية، بات ضرورة ملحّة للحدّ من الكلفة الحقوقية والمهنية التي خلّفها تطبيقه، ناهيك عن ضرورة إعادة إدراج قضايا الصحافة والرأي ضمن إطارها القانوني الطبيعي، القائم على الضمانات والتناسب واحترام دولة القانون.
آمنة السلطاني
مرصد الصحافة والحق في الاعلام OJDI