بقلم عمر الوسلاتي

من تبرسق، من الشمال الغربي، تنام عائلة كانت حياتها الأولى، وتستيقظ اليوم في ظلام الحزن ولم يجفّ بعد صدى اسمه في الذاكرة، وأب ما يزال واقفًا عند حدود الصدمة، وأم لم تُغلق بعد باب الانتظار. في مثل هذه اللحظات، لا تُقال الكلمات، ولا يُطلب السرد، ولا يُفتح الميكروفون.
الفاجعة لا تحتاج صوتًا، بل صمتًا يليق بثقلها.لكن حين يتحوّل الحزن إلى مشهدية إعلامية، وحين يُستجوب الأب مباشرة عبر قناة تلفزية، وقبل أن يواري التراب جسد ابنه، نكون أمام لوثة أخلاقية وهفوة قاتلة، لا في حق العائلة وحدها، بل في حقنا جميعًا.
فالأب لم يكن شاهدًا في قضية، ولا مصدرًا للخبر، بل إنسانًا مكسورًا، وإجباره على الكلام هو إعادة فتح لجرح عميق ما يزال ينزف ألمًا وحسرة وذهولًا.ما حدث ليس ممارسة صحفية، بل تحميل للألم فوق طاقته، واختزال لمأساة إنسانية في لقطة عاطفية عابرة. هو نوع من الاتجار الرمزي بالحزن، حيث تتحوّل الفاجعة إلى مادة، والدمعة إلى صورة، والصدمة إلى محتوى.
في تلك اللحظة، لا يخدم الإعلام الحق في المعرفة، بل يُلحق ضررًا جديدًا بمن فقدوا أغلى ما لديهم.الأخلاقيات المهنية، كما نصّت عليها المواثيق الدولية ومعايير مؤسسات إعلامية عريقة مثل هيئة الإذاعة البريطانية BBC، واضحة وصريحة: في حالات الموت والفواجع، تُقدَّم الكرامة الإنسانية على السبق، ويُحترم حق العائلة في الصمت، ويُمنع استغلال الهشاشة العاطفية، وتُؤجَّل الأسئلة إلى أن تهدأ الصدمة، إن كان للسؤال معنى أصلًا. فليس كل ما يمكن تصويره يُصوَّر، وليس كل ما يمكن سؤاله يُسأل.
إنّ تحويل مأساة عائلية إلى خبر مصوّر، وإلى مشهد تلفزي سيئ الإخراج، هو انتهاك لكرامة الميت قبل أن يكون انتهاكًا لحق الأحياء. الفاجعة ليست عرضًا، والحزن ليس مادة تحريرية، والإنسان لا يُختزل في لحظة انهيار. حين يفقد الإعلام حسّه الإنساني، يفقد شرعيته الأخلاقية، مهما ادّعى المهنية.كان الأجدر بالإعلام أن يبتعد خطوة إلى الوراء، أن يكتفي بالمعلومة، وأن يترك للعائلة حقها الطبيعي في الحداد. فالتغطية المسؤولة لا تعني الحضور في كل لحظة، بل تعني معرفة متى يجب الانسحاب.
بعض الآلام لا تُروى فورًا، وبعض الجراح لا تُفتح أمام الكاميرا، لأنّ احترام الصمت، أحيانًا، هو أصدق أشكال الصحافة.في تبرسق، وفي الشمال الغربي، وفي كل بيت تونسي عرف الفقد، نعلم أنّ الحزن لا يُستجوب، وأن الكرامة لا تُبثّ مباشرة. هنا تُختبر أخلاقيات المهنة حقًا، وهنا، للأسف، سقط الإعلام في الامتحان.
مرصد الصحافة والحق في الاعلام OJDI