حين تُستَخدم الكارثة لصناعة صورة: الإذاعة الوطنية بين الخبر والاتصال السياسي

 عاشت تونس منذ أيام على وقع تقلبات جوية حادة، رافقتها فيضانات في عدد من المناطق، في سياق مناخي استثنائي زادته حدّة ما عُرف بعاصفة “هاري”. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح دور الإعلام، وخاصة الإعلام العمومي، أكثر حساسية وخطورة، إذ يُفترض أن يكون مصدر معلومة دقيقة وموثوقة، تساعد المواطن على فهم ما يحدث واتخاذ قرارات مبنية على الواقع لا على الانطباع. غير أنّ ما قامت به الإذاعة الوطنية التونسية في تغطيتها لهذه الأزمة يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي اختارته.

 فقد عمدت المؤسسة إلى نشر صور للجيش الوطني على صفحتها الرسمية، في محاولة لإبراز صورة مؤسسات الدولة وكأنها تُمسك بزمام الأزمة وتتحكم في تداعياتها. إلا أن التدقيق في هذه الصور يكشف أنها قديمة وتعود إلى سنة 2020، ولا تمتّ بصلة إلى الفيضانات أو التقلبات الجوية الحالية. هذا الفعل لا يمكن تصنيفه ضمن العمل الصحفي الإخباري المهني، بل يندرج بوضوح ضمن ممارسات مضلِّلة تقوم على إخراج المادة البصرية من سياقها الزمني وإعادة توظيفها لإنتاج خطاب معيّن. فالصحافة لا تكتفي بعرض صور “قوية” أو “مطمئنة”، بل تلتزم أولا وأساسا بالحقيقة، حتى وإن كانت مربكة أو غير مريحة.

 من الناحية النظرية، يفرّق علم الاتصال بين الصحافة الإخبارية التي تنقل الوقائع كما هي، وبين الاتصال السياسي الذي يهدف إلى إدارة الصورة العامة للسلطة، خاصة في أوقات الأزمات. ما قامت به الإذاعة الوطنية يقترب من هذا المنطق الثاني، حيث جرى توظيف رمز سيادي قوي مثل الجيش الوطني لإيصال رسالة ضمنية مفادها أن الدولة مسيطرة على الوضع، بغضّ النظر عن الواقع الميداني أو عن دقة المعطيات المقدّمة. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بخطأ مهني أو نقص في التحقق، بل بمسّ مباشر من حق المواطن في معلومة دقيقة وصحيحة.

فالمتلقي، في ظل الفيضانات والخطر الحقيقي الذي يهدد الأرواح والممتلكات، يحتاج إلى معرفة ما يحدث الآن، لا إلى صور أرشيفية تُقدَّم له وكأنها آنية. هذا النوع من المحتوى قد يخلق شعورا زائفا بالأمان، ويُضعف قدرة الأفراد على تقدير المخاطر الفعلية.  الأخطر من ذلك أن هذا التمشي يُفرغ الإعلام العمومي من وظيفته الرقابية، ويحوّله من فاعل مستقل يفترض أن يراقب أداء الدولة إلى أداة دعائية تُعيد إنتاج خطابها. ففي أوقات الكوارث، يُنتظر من الإعلام العمومي أن يطرح الأسئلة الصعبة: أين الخلل؟ من المسؤول؟ ما مدى الجاهزية؟ لا أن يكتفي بعرض صور رمزية توحي بأن “كل شيء تحت السيطرة”.

إن استخدام صور مضللة خلال أزمة مناخية حادة لا يسيء فقط إلى مصداقية الإذاعة الوطنية، بل يسهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والإعلام العمومي. واستعادة هذه الثقة لا تمرّ عبر تحسين الصورة الاتصالية للدولة، بل عبر الالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة: الدقة، التحقق، احترام السياق، والفصل الواضح بين الخبر والدعاية

في النهاية، تبقى مساءلة مثل هذه الممارسات واجبا مهنيا، لأن الدفاع عن إعلام عمومي مستقل ونزيه هو في جوهره دفاع عن حق المواطنين في معرفة الحقيقة، خاصة عندما تتقاطع الكوارث الطبيعية مع مسؤولية الدولة والإعلام معا.

أميمة زرواني

شاهد أيضاً

د.غسان نمر أستاذ الإعلام والعلاقات العامّة بجامعة القدس / فلسطين

الحرب على السرديّة الفلسطينيّة: الاحتلال الرقمي ومحاصرة صوت فلسطين

بقلم د.غسان نمر في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل الفلسطينيّين على الأرض في غزة، تشنّ …