حق المواطن في المعلومة الصحية: الترخيص المسبق… قيد أم حرية؟

أثار قرار المجلس الوطني لعمادة الأطباء الذي يقضي باشتراط حصول الأطباء على ترخيص مسبق قبل أي ظهور إعلامي، جدلا واسعا حول ما اذا كان يمسّ من حرية الإعلام وحق المواطن في النفاذ إلى المعلومة. واعتبر عدد من الملاحظين أن فرض قيود مسبقة على ظهور الأطباء في وسائل الإعلام، مهما كانت دوافعها المهنية أو الأخلاقية، من شأنه أن يحدّ من تدفق المعلومات العلمية الدقيقة، ويضع المواطن أمام خيارين: ندرة المعلومة الطبية الموثوقة أو اللجوء إلى مصادر بديلة أقل مصداقية، وهو ما يشكل مسا مباشرا بالحق في النفاذ إلى المعلومة وبالحق في الإعلام عموما.

وكانت رئاسة المجلس الوطني لعمادة الأطباء قد دعت، في بلاغ أصدرته يوم 30 ديسمبر 2025، الأطباء الراغبين في الظهور الإعلامي إلى تقديم طلب رسمي عبر الفضاء الخاص بالأطباء على الموقع الإلكتروني للمجلس، قصد مراجعة هذه الطلبات قبل منح الموافقة المسبقة. كما طالبت بضرورة ذكر رقم الموافقة الصادر عن المجلس في أي محتوى يُنشر مبررة هذا القرار بمعاينة برنامج تلفزيوني تناول مهنة الطب النفسي بطريقة اعتُبرت، حسب تعبيرها، غير محترِمة للقيم المهنية والأخلاقية.

المساءلة بدل الترخيص المسبق

اثار هذا القرار ردود أفعال عدد من الأطباء، الذين اعتبروا أن فرض الحصول على ترخيص مسبق يمثل تقييدا غير مبرر للحرية المهنية ولحرية التعبير، ويقوّض مبدأ التواصل المباشر بين الطبيب والمجتمع.

وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور رفيق بوجدراية، الرئيس السابق لقسم الاستعجالي بمستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة، أن الظهور الإعلامي لبعض الأطباء في الآونة الأخيرة في البرامج التلفزية ساهم في “إغراق المهنة”، محذرا من أن ما تبقى من حرية الأطباء في التواصل مع المواطنين مهدد بالزوال في ظل هذا القرار.

وأوضح بوجدراية أن هذا الإجراء لا يعد مستحدثا في جوهره، إذ يطابق ما تفرضه وزارة الصحة على أطباء القطاع العمومي بموجب منشور وزاري يعود الى التسعينات، غير أن توسيع هذا الاجراء يمثّل تقييدا صريحا للحرية.

وأعتبر إن تقييد الحرية لا يمكن أن يكون حلا للإشكال المطروح، محذرا من أن هذا التوجه قد يخلق حالة من التوتر بين العمادة والأطباء النشطين في الفضاء العام، وهو ما قد ينعكس سلبا على حق المواطنين في الانتفاع بالنصائح الطبية والتوجيه الصحي، خاصة وأن تدخلات عدد من الأطباء على منصات التواصل الاجتماعي تعود بالنفع على المواطنين و على المهنيين أنفسهم.

وفي المقابل، شدد بوجدراية على ضرورة مساءلة ومعاقبة كل طبيب يثبت إخلاله بالقواعد المهنية أو الأخلاقية أو القانونية، معتبرا أن الحل يكمن في تطبيق القانون باعتباره المرجع في ضبط التراتيب وتحديد العقوبات.

ولم يقتصر رفض هذا الاجراء على الأطباء فحسب، بل شمل عددا من الخبراء في مجال الإعلام والمدافعين عن الحريات الإعلامية الذين اعتبروه انتهاكا لحق المواطن في النفاذ الى المعلومة. وأكد هؤلاء أن حضور الأطباء في الإعلام لا يُعدّ مجرد حق مهني، بل يُمثل أداة أساسية لتعزيز الشفافية ونشر المعرفة الطبية الدقيقة، وتمكين المواطنين من اتخاذ قرارات صحية هامة. وأشاروا إلى أن التدخل المسبق في الظهور الاعلامي للأطباء من شأنه أن يحرم المجتمع من نصائح وإرشادات بالغة الأهمية، ويكرّس فجوة معلوماتية تمسّ جوهر الحق الدستوري في الإعلام، خاصة في ظل السياق الحالي الذي أصبحت فيه مهمة الصحفي في الوصول إلى المعلومة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو علمية، أكثر تعقيدا وصعوبة من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، أكد المنوبي المروكي، رئيس مجلس الصحافة، في تصريح لمرصد الصحافة والحق في الإعلام، على أن حق المواطن في الإعلام يظل حقا أساسيا لا يمكن المساس به تحت أي ذريعة تنظيمية أو مهنية. وأوضح أنه، مع تفهّمه لوضعية المجلس الوطني لعمادة الأطباء وما يطرحه من إشكالات أخلاقية تتعلق بتنظيم المهنة وببعض أشكال الظهور الإعلامي غير المنضبط لبعض الأطباء دون غيرهم، فإن القرار المتخذ يبقى، حسب تقديره، غير موفق وليس في محله.

واعتبر المنوبي المروكي أن للطبيب دور جوهريفي توجيه المواطن وتحسيسه عبر وسائل الإعلام، خاصة خلال فترات الأزمات الصحية، على غرار جائحة كورونا، أو خلال موجات النزلات الموسمية، أو عند انتشار فيروسات وأوبئة تستوجب تدخّلا سريعا ودقيقا. ففي مثل هذه السياقات، تصبح المعلومة الطبية مسألة وقت، ولا تحتمل التأجيل أو التعطيل بسبب إجراءات إدارية أو انتظار الحصول على تراخيص مسبقة، لأن أي تأخير في إيصال المعلومة قد تكون له انعكاسات مباشرة على الصحة العامة وعلى الأمن الصحي للمواطنين.

واعتبر أن اتخاذ قرار من هذا الحجم استنادا إلى برنامج تلفزيوني واحد غير مبرر ويطرح تساؤلات جدية حول منطق التعميم والعقاب الجماعي، ويعكس معالجة ظرفية لإشكال يفترض أن يُواجه بآليات مساءلة واضحة وفردية.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس مجلس الصحافة، أن على الأطباء حسن اختيار البرامج الإعلامية والصحفيين الذين يتعاملون معهم قبل أي ظهور إعلامي مشددا على أن التعامل مع برامج غير مهنية أو قائمة على الإثارة يُسيء إلى الطبيب كما يُسيء إلى حق المواطن في المعلومة الدقيقة.

وذكّر المنوبي المروكي بأن الإعلام التونسي عرف، منذ سنوات طويلة، عددا هاما من البرامج التلفزية والإذاعية الجادة التي استضافت أطباء ومختصين في مختلف المجالات الصحية، دون أن تُسجَّل بشأنها أي إشكاليات تُذكر. وأضاف أن هذه التجارب تؤكد أن الإشكال لا يكمن في الظهور الإعلامي في حد ذاته، بل في غياب الفرز بين الصحافة المهنية والمنصاتالتي تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الصحفية.

نحو توازن بين حرية الإعلام والمسؤولية المهنية

وردا على الانتقادات الموجهة إلى قرار المجلس الوطني لعمادة الأطباء في علاقة بالرقابة المسبقة والمسّ من الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة، أكد سمير شطورو، الناطق الرسمي باسم العمادة الوطنية للأطباء في تصريح لمرصد الصحافة والحق في الاعلام، أن مسألة الترخيص لا تندرج بأي حال من الأحوال ضمن منطق “الصنصرة” أو تقييد حرية التعبير، بل تمثل إجراءً تنظيميا يهدف إلى ضبط الظهور الإعلامي للأطباء في إطار احترام أخلاقيات المهنة وحماية المصلحة العامة. وشدد على أن الهدف الأساسي من هذا الإجراء ليس الحد من حضور الأطباء في وسائل الإعلام، بل تمكينهم من الاضطلاع بدورهم الكامل في التوعية الصحية، بالنظر إلى التأثير الكبير الذي يتمتع به الطبيب داخل المجتمع وأهمية كلمته في توجيه الرأي العام.

وأوضح شطوروالترخيص المسبق” لا يُعد شرطا صارما في الحالات الاستثنائية، إذ يُعتبر مجرد التسجيل وطلب الترخيص بمثابة موافقة مبدئية، شريطة الالتزام بالقواعد المهنية والأخلاقية أثناء الظهور الإعلامي.

وبخصوص تجاوب الاطباء مع هذا الإجراء، أوضح شطورو أن ردود الأفعال كانت متباينة، غير أن أغلبية الأطباء استحسنوا القرار، معتبرا أن الإقبال الملحوظ على التسجيل في المنصة يؤكد وجود وعي بضرورة تنظيم الظهور الإعلامي والحد من الفوضى، دون المساس من حرية الإعلام أو حق الوصول إلى المعلومة. وأعتبر أن التسجيل على المنصة يُعد في جوهره تذكيرا بالمبادئ الأخلاقية العامة للمهنة وبقواعد الظهور الإعلامي.

وفي هذا السياق، ذكّر الناطق الرسمي باسم العمادة الوطنية للأطباء أن الطبيب الذي يتوجه إلى وسائل الإعلام مطالب بالالتزام بجملة من الضوابط الأساسية، من بينها التصريح بأي تضارب محتمل للمصالح، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الشركات التجارية أو مصنعي الأدوية والمكملات الغذائية. كما أكد أن المعلومات المقدمة للجمهور يجب أن تكون دقيقة، قائمة على معطيات علمية منشورة ومثبتة، لا على آراء شخصية غير مدعومة علميا.

وأضاف أن المحتوى التوعوي العام لا يجب أن يتحول إلى بديل عن الاستشارة الطبية الخاصة، محذرا من المبالغة في الترويج لعلاجات أو بروتوكولات لم تثبت نجاعتها علميا.

وأكد شطورو انه يمنع كل أشكال الدعاية التجارية أو الشخصية في وسائل الإعلام، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بهدف جلب المرضى، كما شدد على منع نشر أي معطيات أو صور تخص المرضى، حتى وإن تم إخفاء ملامحهم، حفاظا على السر الطبي وكرامة المرضى.

كما كشف شطورو أن المجلس يعمل حاليا على الحد من ظاهرة الظهور الإعلامي المكثف لبعض الأطباء دون غيرهم، نتيجة تفضيل بعض وسائل الإعلام استضافة أسماء بعينها بدعوى قدرتهم على التواصل أمام الميكروفون والكاميرا، في حين قد يتحول هذا التكرار إلى شكل من أشكال الإشهار المقنّع. وفي هذا السياق أكد سمير شطورو انه يتم حاليا العمل على تمكين عدد أكبر من الأطباء من مهارات التواصل الإعلامي بشكل مهني ومتوازن من خلال تطوير برامج للتكوين والتدريب في مجال التواصل مع وسائل الإعلام.

وختم بالتأكيد على أن العمادة اتخذت جملة من الإجراءات بخصوص التجاوزات المرصودة، خاصة فيما يتعلق بالإشهار المقنّع، غير أن التحسيس والتوعية يظلان الخيار الأكثر نجاعة. كما دعا وسائل الإعلام إلى التعاون مع العمادة والتحلي بروح المسؤولية، وعدم تسليط الضوء بشكل مفرط على المشعوذين أو “الخلطات السحرية” والمكملات الغذائية غير المراقبة من السلط المعنية.

وسط الضغوط اليومية التي يواجهها الصحفيون التونسيون للوصول إلى المعلومة، ووسط الإجراءات  التي تفرضها بعض الهياكل المهنية، يظل حق المواطن الدستوري في الإعلام والمعلومة الدقيقة المرجع الأساسي، كما ينص عليه الفصل 37 من دستور 2022 الذي يمنع أي رقابة مسبقة على الحريات الإعلامية. وفي الوقت نفسه، يتطلب الحفاظ على هذا الحق وجود آليات تنظيمية واضحة للظهور الإعلامي للمهنيين، سواء الأطباء أو المحامين أو غيرهم، تضمن احترام أخلاقيات المهنة ودقة المعلومات المقدمة، بما يحقق التوازن بين حرية الصحافة ومسؤولية المهنيين، ويعزز ثقة المجتمع بهذه المهن النبيلة وبالصحافة على حد سواء.

هاجر بن حسن

شاهد أيضاً

دعوات واسعة تطالب بتنقيحه: لماذا يتصاعد رفض المرسوم 54؟

أعاد المرسوم عدد 54 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، الصادر في 13 سبتمبر …